عبد الله الكبير

من الصعب وصف الطرح الذي يقدمه مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي ترامب بالمبادرة، رغم تسويقه في حديثه التلفزيوني الأخير على أنه مبادرة أمريكية، نافيا نسبتها إليه بشكل شخصي، لأن وسائل الإعلام تربطها به شخصيا وتصفها بخطة أو مبادرة أو صفقة بولس، مدعيا في اللقاء نفسه أنها مبادرة ليبية يعمل عليها الطرفان سعيا للتوصل إلى اتفاق نهائي، سيجري التوقيع عليه في البيت الأبيض بحضور الرئيس ترامب.

وبصرف النظر عن بعض التناقضات في حديثه، فإن ما صرح به كاف لنقل( الصفقة/ الخطة/ المبادرة) من غموض التسريبات إلى العلن، بتأكيده أن واشنطن تعمل على جمع طرفي السلطة لإعادة توزيع السلطة التنفيذية بينهما، كاشفا عن انخراط رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة فيها، وأنه على تواصل شبه يومي معه، بينما سبق للدبيبة نفي علمه بها.

المواقف من الصفقة لم تتغير تقريبا، معسكر حفتر يرحب بها لأسباب معروفة، بينما الرئاسات الثلاثة لديها وثيقة المبادئ الأساسية لخارطة الطريق الوطنية، تعلن فيها عن العمل المشترك لإنجاز القاعدة الدستورية للانتخابات، وتحديد موعدا لاجرائها لا يتجاوز السابع عشر من فبراير القادم.

وهي بذلك ترفض ضمنا خطة بولس وتطرح البديل، وكذلك المجلس الأعلى للدولة الذي سبق أن تداول المبادرة وهي في طور التسريبات،  معلنا عن رفضها، بينما يبدو التباين واضحا في المواقف في مجلس النواب إذ يشارك رئيس المجلس في وثيقة المبادئ الوطنية المضادة لخطة بولس، يعلن 109 نائب عن تأييدهم لخطة بولس قبل معرفة تفاصيلها ومداها الزمني.

وتتسع دائرة الرفض الشعبي والرسمي في غرب البلاد، حيث يسمح المناخ العام بالتعبير عن المواقف والجهر بها عبر المنابر الإعلامية، أما في الشرق فلا موقف شعبي معلن من المبادرة، وحتى محاولات التحشيد لمظاهرات تأييد لم تنجح في جمع الناس، كدليل على الرفض الصامت وربما اللامبالاة بسبب اليأس.

على مدى أيام استقبلت واشنطن بشكل منفصل وكيل وزارة الدفاع بطرابلس عبدالسلام زوبي ثم صدام حفتر، ما يؤكد أن موضوع توحيد القوات العسكرية والأمنية ماض وتعمل عليه الولايات المتحدة بشكل منفصل، وحسب تصريحات بولس فإن تتويج الاتفاق إذا ما قدر له النجاح سيتوج بتوقيع اتفاق في البيت الأبيض بحضور الرئيس ترامب.

ورغم تأكيد بولس أثناء حديثه عن عدم إقصاء أي طرف من خطته، وأنها سوف تشمل مجلسي النواب والدولة وبقية القوى الفاعلة، وكذلك قوله أن خطته لا تزاحم مبادرة الأمم المتحدة بل هي مكملة لها، إلا أن ما يجري بالفعل مخالف لهذه المزاعم، فلم يجتمع بولس مع المجلسين، ولم يشر إلى دور يمكن أن يلعباه في خطته، إلا إذا كان يقصد المباركة والتوقيع بعد اكتمال الصفقة، وتحديد شكل السلطة القادم.

إزاء هذا التباين في المواقف المحلية والإقليمية، قد تقبل واشنطن بإجراء تعديلات جوهرية على الخطة، فتواصل العمل مع الأطراف الفاعلة عسكريا على تشكيل قوة مشتركة، وتدعم خارطة طريق البعثة الأممية لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، والتحضير للانتخابات العامة، لأن بولس قال أن مسألة الشخصيات التي ستتولى السلطة متروك لليبيين.

المعيار الحقيقي لنجاح أي مبادرة في بيئة سياسية واقتصادية وعسكرية منقسمة، لا يتم عبر عبر صفقة تبرم بين طرفين قويين لا يحظيان بدعم شعبي واسع، وإنما بقدرة الوسيط على الفهم العميق لجذور الأزمة، والعمل من خلال بعثة الأمم المتحدة لكي لا تشعر الأطراف الإقليمية والدولية بالإقصاء، ومن ثم لا تقدم لها الدعم، أو تعمل على تقويضها حماية لمصالحها.

كما فعلت مصر بترحيبها بوثيقة الرئاسات الثلاثة، وكما أشارت مندوبة روسيا في مجلس الأمن، مؤكدة على ملكية الأطراف الليبية للحل، في إشارة إلى وثيقة المبادئ للرئاسات الثلاثة، فالحلول المستدامة تتحقق ببناء الحل السياسي على أسس صلبة عبر تجديد الشرعية بالانتخابات، ولن تمانع أي سلطة منتخبة في التعاون مع أمريكا وبقية الدول وفق قاعدة تبادل المصالح.

________________

مقالات مشابهة