صلاح الهوني 

التحدي الحقيقي أمام ليبيا اليوم لا يتمثل في اختيار الاستقرار أو الديمقراطية، كما يُصوَّر أحياناً، بل في إيجاد صيغة تجعل أحدهما شرطاً للآخر

قال الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل إن “أميركا هي أرض المستقبل”، في إشارة إلى قدرتها على ابتكار نماذج جديدة في السياسة والاقتصاد. وبعد قرنين تقريباً، لا تزال الولايات المتحدة تحاول صياغة نماذج لإدارة الأزمات الدولية، لكن السؤال الذي تطرحه الحالة الليبية اليوم ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على إنتاج نموذج جديد، بل ما إذا كان هذا النموذج يستطيع أن يبني دولة، أم أنه يكتفي بإدارة أزمة طويلة بأدوات أكثر كفاءة.

فليبيا، بعد أكثر من عقد على سقوط نظام معمر القذافي، لا تعاني من نقص المبادرات الدولية، بل من فائضها. فمنذ اتفاق الصخيرات إلى مؤتمرات برلين، ومن مسارات الأمم المتحدة إلى التحركات الإقليمية، لم تتوقف المشاريع الرامية إلى إنهاء الانقسام. ومع ذلك، بقيت الدولة الليبية عالقة بين سلطات متنافسة، ومؤسسات منقسمة، وانتخابات مؤجلة، واقتصاد يعتمد على النفط أكثر مما يعتمد على وجود مؤسسات سياسية مستقرة.

في هذا السياق، تبدو المقاربة الأميركية الأخيرة مختلفة في ترتيب أولوياتها أكثر من اختلافها في أهدافها. فهي تنطلق من فرضية أن إعادة توحيد المؤسسات السيادية، ولا سيما المالية والأمنية، يجب أن تسبق أي تسوية سياسية شاملة. وبدلاً من انتظار توافق كامل على شكل السلطة المقبلة، تركز هذه المقاربة على ضمان استمرار إنتاج النفط، وتوحيد آليات الإنفاق العام، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية في شرق البلاد وغربها، باعتبار أن الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي قد يخلق بيئة أكثر ملاءمة للحل السياسي لاحقاً.

قد يبدو هذا المنطق عملياً، بل وحتى مقنعاً في بلد أنهكته الانقسامات. فالاقتصاد لا يستطيع انتظار توافق سياسي قد يتأخر سنوات، وأسواق الطاقة العالمية لا تحتمل تعطلاً متكرراً لإنتاج النفط الليبي، الذي يمثل أحد أهم موارد الدولة وأحد عناصر التوازن في سوق النفط العالمية. ومن هذا المنظور، يصبح الحفاظ على تدفق النفط وتوحيد إدارة الإيرادات هدفاً عاجلاً لا يقل أهمية عن أي استحقاق سياسي.

غير أن هذا الترتيب يثير سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن بناء مؤسسات مستقرة في غياب سلطة تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع؟ وهل تستطيع المؤسسات أن تحل محل السياسة، أم أنها ستتحول إلى إطار إداري يدير الانقسام بدلاً من إنهائه؟

ليبيا لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تعمل بل إلى مؤسسات يعرف الليبيون أنها تعمل باسمهم وعندها فقط يمكن الحديث عن انتقال حقيقي من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة

تكمن المفارقة في أن ليبيا لا تعاني من غياب المؤسسات فحسب، بل من غياب التوافق على الجهة التي تملك حق إدارتها. فالمصرف المركزي، والمؤسسة الوطنية للنفط، وأجهزة الرقابة، وحتى الأجهزة الأمنية، تحولت خلال السنوات الماضية إلى ساحات تنافس بين مراكز القوى المختلفة، لأن السيطرة عليها تعني السيطرة على الموارد المالية ومفاتيح النفوذ السياسي.

ومن هنا تبدو أولوية توحيد المؤسسات مفهومة، لكنها ليست كافية. فالمؤسسة، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع أن تكتسب شرعية مستقلة عن النظام السياسي الذي تعمل في إطاره. وإذا بقيت السلطة التنفيذية موضع نزاع، فإن أي مؤسسة موحدة ستظل معرضة لأن تصبح أداة جديدة في صراع قديم.

ولا يقتصر الأمر على البعد السياسي. فالموازنة الموحدة، التي يجري الحديث عنها باعتبارها مدخلاً لإعادة الانضباط المالي، تمثل خطوة إيجابية نحو تعزيز الشفافية وتقليص الازدواجية في الإنفاق، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: من يقرر أولويات الإنفاق؟ ومن يراقب توزيع عائدات النفط؟ ومن يحاسب السلطة إذا أُسيء استخدام الموارد؟

هذه الأسئلة ليست تقنية، بل تمثل جوهر فكرة الدولة الحديثة. فإدارة المال العام لا تستمد مشروعيتها من الكفاءة وحدها، بل من خضوعها لرقابة سياسية ومؤسساتية نابعة من إرادة المواطنين. ولهذا فإن بناء نظام مالي موحد، من دون بناء شرعية سياسية موازية، قد يؤدي إلى تحسين إدارة الأزمة، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى حلها.

ولعل التجارب الدولية تقدم درساً واضحاً في هذا المجال. فقد نجحت دول خرجت من حروب أهلية في توحيد مؤسساتها، لكنها عادت لاحقاً إلى الانقسام لأن التسوية المؤسسية سبقت التسوية السياسية. فالمؤسسات تستطيع تنظيم السلطة، لكنها لا تستطيع أن تمنحها الشرعية. والشرعية، في النهاية، لا تُبنى بالتوافقات الدولية وحدها، بل بتفويض شعبي واضح يحدد من يحكم، وكيف يحكم، ولصالح من يحكم.

وهنا يبدأ التحدي الحقيقي للمقاربة الأميركية. فإذا تحولت أولوية الاستقرار الاقتصادي والأمني إلى بديل دائم عن بناء الشرعية السياسية، فإن ليبيا قد تجد نفسها أمام نموذج جديد من الاستقرار الهش: مؤسسات تعمل، ونفط يتدفق، وموازنة تُدار، لكن الدولة نفسها تبقى معلقة بين سلطات انتقالية لا تنتهي، وبين مجتمع ينتظر منذ سنوات أن يُسمح له باختيار من يدير موارده ومستقبله.

لا يمكن فهم المقاربة الأميركية في ليبيا بمعزل عن التحولات الأوسع التي تشهدها البيئة الدولية. فمنذ عودة التنافس بين القوى الكبرى، لم تعد واشنطن تنظر إلى شمال أفريقيا بوصفه هامشاً جغرافياً، بل باعتباره جزءاً من معادلة الأمن الأوروبي، وأمن الطاقة، والتوازنات في البحر المتوسط. وفي هذا السياق، تكتسب ليبيا أهمية تتجاوز حدودها الوطنية. فهي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، وتقع على الضفة الجنوبية للمتوسط، وتشكل نقطة عبور رئيسية بين أفريقيا وأوروبا، كما أنها أصبحت خلال السنوات الماضية ساحة مفتوحة لتنافس قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تثبيت نفوذها في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل البعد المتعلق بالتنافس الدولي. فقد رسخت روسيا حضورها في الملف الليبي عبر أدوات أمنية وعسكرية خلال السنوات الماضية، فيما توسع الحضور الصيني في أفريقيا من خلال مشاريع البنية التحتية والاستثمار. لذلك فإن أي فراغ سياسي أو مؤسسي في ليبيا لا يُقرأ في واشنطن باعتباره أزمة محلية فحسب، بل باعتباره فرصة قد تستفيد منها قوى منافسة لتعزيز نفوذها في جنوب المتوسط. ومن هنا، تبدو المقاربة الأميركية أقرب إلى استراتيجية احتواء للمخاطر منها إلى مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة.

لا يمكن فهم المقاربة الأميركية بمعزل عن التحولات الأوسع التي تشهدها البيئة الدولية فمنذ عودة التنافس بين القوى الكبر، لم تعد واشنطن تنظر إلى شمال أفريقيا بوصفه هامشاً جغرافياً

غير أن المشكلة تكمن في أن منطق إدارة المصالح يختلف عن منطق بناء الدول. فالدول تُبنى عندما تتطابق المؤسسات مع الإرادة الشعبية، وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تمثله وتحمي حقوقه، لا عندما تقتصر وظيفتها على توفير الحد الأدنى من الاستقرار. والاستقرار الذي يقوم على توازنات مؤقتة بين مراكز القوى قد ينجح في منع الانفجار، لكنه نادراً ما ينجح في إنتاج عقد سياسي جديد.

ولعل هذا ما يفسر استمرار الأزمة الليبية رغم كثرة المبادرات. فالمشكلة الأساسية لم تكن يوماً نقصاً في اللجان أو الاتفاقات أو الترتيبات المؤقتة، بل غياب رؤية متفق عليها لمصدر الشرعية. فمنذ سنوات، يجري تأجيل الانتخابات بحجج قانونية أو أمنية أو سياسية، بينما تتحول المرحلة الانتقالية تدريجياً إلى وضع دائم، وتترسخ مؤسسات نشأت أصلاً بوصفها حلولاً مؤقتة. ومع مرور الوقت، يصبح الحفاظ على الوضع القائم مصلحة لبعض القوى أكثر من إنهائه، لأن استمرار الغموض يتيح لها الاحتفاظ بالنفوذ والموارد.

لهذا السبب، فإن أي مبادرة دولية لن تحقق أثراً مستداماً إذا لم تربط بين الإصلاح المؤسسي والاستحقاق الديمقراطي ضمن جدول زمني واضح وملزم. فتوحيد المصرف المركزي، أو اعتماد موازنة موحدة، أو تطوير التنسيق الأمني، كلها خطوات ضرورية، لكنها ينبغي أن تكون جسوراً نحو دولة منتخبة، لا بدائل عنها. فالمؤسسات تكتسب معناها الحقيقي عندما تعمل في ظل سلطة تستمد شرعيتها من المواطنين، وعندما تخضع للمساءلة عبر برلمان منتخب وقضاء مستقل ورأي عام حر.

إن التحدي الحقيقي أمام ليبيا اليوم لا يتمثل في اختيار الاستقرار أو الديمقراطية، كما يُصوَّر أحياناً، بل في إيجاد صيغة تجعل أحدهما شرطاً للآخر. فالاستقرار الذي لا يستند إلى شرعية سياسية يبقى هشاً وقابلاً للاهتزاز مع أول أزمة، والديمقراطية التي تُقام في ظل مؤسسات منهارة قد تعجز عن إنتاج دولة فعالة. ولهذا فإن المسار الأكثر واقعية هو الذي يجمع بين بناء المؤسسات وبناء الشرعية في آن واحد، بحيث تصبح الإصلاحات الاقتصادية والأمنية جزءاً من عملية انتقال سياسي، لا بديلاً عنها.

تقف ليبيا اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فمن جهة، هناك مسار يقوم على إدارة الأزمة، وتحقيق قدر من الاستقرار يكفي لحماية المصالح الاقتصادية والأمنية، لكنه يترك جذور الانقسام السياسي من دون معالجة. ومن جهة أخرى، هناك مسار أكثر صعوبة، لكنه أكثر استدامة، ينطلق من الاعتراف بأن بناء الدولة لا يكتمل إلا عندما تصبح المؤسسات معبرة عن إرادة المواطنين، لا عن موازين القوى المؤقتة.

قد يكون من الأسهل للمجتمع الدولي التعامل مع ليبيا مستقرة ظاهرياً، حتى وإن بقيت شرعيتها ناقصة. لكن التاريخ يعلمنا أن الاستقرار الذي يُدار من أعلى، من دون تفويض شعبي، نادراً ما يصمد طويلاً. فالدول لا تُقاس بعدد المؤسسات التي توحدها، ولا بحجم النفط الذي تنتجه، بل بقدرتها على تحويل السلطة إلى عقد ثقة بين الدولة والمجتمع.

____________

مقالات مشابهة