عبدالله الكبير

بشكل مفاجئ أعلن نشطاء ليبيون في جنيف الجمعة الماضية عن تشكيل حكومة ليبية جديدة، عنصر المفاجأة تمثل في عدم وجود مقدمات لهذا الحدث، أو حضور ممثلين عن المؤسسات الرسمية المعنية بتشكيل الحكومات أو إقالتها، كل ما ظهر عبر وسائل الإعلام هو صور لاجتماع في قاعة خاصة، تحت عنوان ملتقى الحوار الليبي الليبي، أعلن في نهايته عن تكليف الدكتور مصطفى المجذوب رئيسا للحكومة الليبية!

البعثة الأممية نفت علاقتها بالحدث، مؤكدة عدم رعايتها أو مشاركتها في ظهور هذه الحكومة، وأكد ذلك رئيس هذه الحكومة في تصريحات خاصة عبر قناة ليبيا لكل الأحرار، ومضي في تأكيد استقلالية الملتقى وعدم ارتباطه بأي جهات محلية أو دولية، وإنما هو جهد وطني خالص من شخصيات ليبية متنوعة جغرافيا، ودافعهم هو تخليص الوطن والمواطن من المحنة التي يمر بها.

ومع احترام النوايا الحسنة، إلا أن أحدا لم يأخذ هذه الحكومة على محمل الجد، بل ذهب بعض نشطاء وسائل التواصل إلى التندّر بها، بإطلاق إسم حكومة الجمعة الوهمية عليها، لأن الإعلان عنها تم يوم جمعة وهو يوم العطلة الأسبوعية في ليبيا.

بالتزامن من ملتقى جنيف، أطلق رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة عدة تصريحات خلال اجتماع الحكومة الأخير في زليتن، لعل أبرزها إعلانه عن توجيه خطاب للشعب خلال الأيام المقبلة، يوضح فيه المبادرات المطروحة لحل الأزمة الليبية، مؤكدا ضرورة إطلاق حوار وطني تشارك فيه الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والبلديات، لكي يكون للشعب رأي وموقف من هذه المبادرات.

وفي نفس الحديث، أعلن الدبيبة عن ضرورة توفر عدة شروط أساسية، قبل انخراط حكومته في أي مبادرة سياسية، وهي مدنية الدولة. أي رفض أي دور للعسكر في مجال إدارة الدولة، والاحتكام للشعب في اختيار القيادات عبر الانتخابات، وترسيخ السلام والاستقرار. برفض أي محاولة لفرض الإرادة بالقوة وبالابتزاز، وبإنهاء الانتهاكات، واحترام حقوق الإنسان، وجبر ضرر الضحايا، واستقلال الأجهزة الرقابية.

ما يعني الشفافية في الإنفاق العام، والحد من التجاوزات المالية والإدارية، وأخيرا العدالة في توزيع الثروة. أي التوقف عن العشوائية والهدر في تنفيذ المشاريع العامة، وإخضاعها للدراسة وفقا لاحتياجات المناطق.

دوافع الدبيبة في إطلاق هذه التصريحات، ووعده باطلاع الناس على المبادرات وما يدور في الغرف المغلقة مع الوسطاء، يعكس حجم الضغوطات التي يتعرض لها لتمرير صفقة مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي ترامب، وهذه الضغوطات مصدرها محلي ودولي.

فبولس يتحرك بين العواصم الإقليمية لتسويق صفقته، وعقد عدة لقاءات مع طرفي السلطة لبحث التفاصيل، وأخيرا أصدر تكليفا للقائم بالأعمال الأمريكية في ليبيا جيرمي بيرنت ليكون مستشارا له، ويحتمل أن يتطور هذا التكليف ليصبح بيرنت مبعوثا خاصا للإدارة الأمريكية في ليبيا، ويتولى بنفسه مواصلة مساعي بولس في إبرام الصفقة، ويشرف على تنفيذ الاتفاق التنموي والتوحيد العسكري.

محليا منذ بداية ظهور التسريبات حول الصفقة، تعددت المطالبات المحلية للدبيبة بإعلان موقفه من الصفقة، ولكنه لم يكشف عن أي موقف واضح بشأنها، بل ربما تحدث بشكل عابر عن عدم علمه بتفاصيلها، فيما صرح بولس في لقاء مع قناة العربية الحدث أنه عنصر أساسي فيها وأنه يتواصل معه بشكل شبه يومي!

لم يعد الموقف يحتمل أي مماطلة أو تسويف، خاصة مع تحرك أطراف سياسية وعسكرية واجتماعية رافضة لأي مساع تتجاوز مطالب غالبية الشعب، بإنجاز التغيير عبر الانتخابات، وعدم تمديد المراحل الانتقالية، وعدم تمكين أي شخصيات متهمة في تقارير خبراء الأمم المتحدة بارتكاب تجاوزات وانتهاكات.

توضيحيات الدبيبة في خطابه المقبل حول التحركات والمبادرات خاصة مساعي بولس، ستكشف بعضا من الغموض والخفايا بين أطراف السلطة والعراب الأمريكي، صحيح أن الكثير بات معروفا لكل المتابعين والمهتمين، ولكن إعلانه من رئيس حكومة معترف به دوليا سيكون أمضى في تأثيره من كل التسريبات.

الاستعداد للقادم بدأ هذا الأسبوع بعدة ملتقيات ولقاءات في طرابلس ومصراتة والزاوية والزنتان ومدن أخرى، والاستمرار بهذا الزخم سيوصل كل الأطراف الإقليمية والدولية، ولمعسكر حفتر المتحمس للصفقة ليحصل على شرعية يبيض بها سجله الأسود، رسالة واضحة مفادها أن أي مبادرة تتجاهل مطالب الشعب لن يكتب لها أدنى قدر من النجاح، وليس أمام من يرغب في تولي أي منصب ومسؤوليات إلا سبيل واحد، وهو عرض نفسه ومشروعه على الناس ليقبلوا أو يرفضوا عبر صناديق الاقتراع.

___________

مقالات مشابهة