عدنان عبدالمنعم النجار
الغضب وقود للتغيير، لكنه ليس بوصلةً له. فالضغط الشعبي حقٌّ مشروع، بل ضرورةٌ حين تُغلَق مسارات الإصلاح، وتتآكل أدوات المساءلة، وتعجز السلطة عن الإصغاء.
غير أن مصير أي حراكٍ لا تحدده مشروعيته وحدها؛ بل مستوى الوعي الذي يقوده؛ فالفارق بين حركةٍ تُحدث تحولاً وأخرى تُبدّد فرصه ليس في حجم الغضب، بل في حسن توجيهه.
قوة الشارع لا تُقاس بعدد المحتجين أو بارتفاع الهتافات، وإنما بقدرته على فرض معادلة أخلاقية وسياسية تُحرج السلطة وتمنح المطالب شرعيتها. فالحراك المنظم، الواضح في أهدافه ووسائله، يجعل تجاهل المطالب أكثر كلفة من الاستجابة لها. أما التخريب والعنف، فلا يمنحان سوى الذريعة، ويُنقلان النقاش من الحقوق إلى الأمن، ومن المطالب إلى الفوضى.
والوعي ليس قيداً على الاحتجاج، بل مصدر فاعليته. فالشارع الواعي لا يحرق نفسه ليُسمِع صوته، بل يُحسن إدارة غضبه، ويحوّل السلمية من خيارٍ أخلاقي إلى استراتيجية ضغطٍ طويلة النفس.
والسلمية ليست ضعفاً، بل أعلى صور القوة السياسية؛ لأنها تحمي المجتمع، وتُحرج السلطة، وتكسب القضية احترام الرأي العام.
وفي ليبيا، حيث يتداخل الانقسام المؤسسي مع الهشاشة السياسية، تزداد هذه المعادلة إلحاحاً.
فقد أثبتت التجربة أن الفوضى لا تُسقط المنظومات الفاشلة، بل تمنحها فرصةً لإعادة إنتاج نفسها، بينما يبقى الوعي والتنظيم وحدهما القادرين على تحويل الغضب المشروع إلى قوة ضغطٍ تُبقي القضية حيّة وتدفع بالإصلاح إلى الأمام.
ولا يكتمل الاحتجاج المسؤول من دون صون الممتلكات العامة والخاصة. فحمايتها واجبٌ ديني ووطني وأخلاقي، والاعتداء عليها ينتقص من شرعية المطالب، ويمنح الخصوم فرصةً للطعن فيها. لذلك، فإن حماية الممتلكات ليست تفصيلاً، بل معيارٌ لنضج أي حراكٍ شعبي.
فالتحولات الكبرى لا تصنعها لحظات الانفعال، بل تراكم الوعي، وانضباط الفعل، ووضوح الهدف. وحين يصبح الوعي بوصلة الحراك، يتحول الضغط الشعبي إلى قوةٍ تُصلح الدولة، ويغدو الاحتجاج جسراً للتغيير، لا بوابةً للفوضى.
_____________
