السنوسي بسيكري
كما يفترض عنوان المقال، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح تمت تنحيته من منصبه، وخسارته كرسي رئاسة البرلمان لم تكن نتاج عملية تداول “ديمقراطي” ضمن السلطة التشريعية، وتدافع طبيعي بين الكتل البرلمانية يحكمه صندق الاقتراع، وهذا ما يدركه جُل، إن لم يكن كل، من يتابع الأوضاع السياسية في ليبيا.
عقيلة صالح نافح على منصبه لأكثر من عقد من الزمان، ونجح، بدعم محلي وخارجي، في أن يبقى على رأس هرم المجلس التشريعي هذه المدة الطويلة، في مقابل تداول رئاسة المجلس الأعلى للدولة، الذي يتقاسم مع البرلمان بعض الصلاحيات، من قبل ثلاث رؤساء هم عبدالرحمن السويحلي، خالد المشري، محمد تكالة.
واقعة تنحية عقيلة صالح دلالة على تحول وتطور في الفعل السياسي في الجبهة الشرقية، التي تمثل إحدى أهم قوتين في المشهد الليبي، بل تحول على مستوى التدافع السياسي في البلاد.
لقد اعتمد صالح في بقائه متمتعا بنفوذه طيلة الإثني عشر عاما الماضية على ثلاث ركائز هي: الثقل القبلي و الظهير الأمني والعسكري و الدعم الخارجي، فهو ينتسب إلى أكبر قبيلة من قبائل الشرق الليبي، هي قبيلة العبيدات، وحاز على موالاة الجيش وقائده، خليفة حفتر، بعد أن صار الأخير هو السلطة الفعلية الحاكمة في الشرق والجنوب منذ العام 2017م، كما تطورت علاقته مع الجارة مصر ليصبح صالح الحليف السياسي الأهم للقاهرة.
التغير في ثلاثية الدعم الذي حظي به صالح بدءا من التحول في النفوذ الأمني والعسكري واتجاه تأثيره في المشهد السياسي، فقد برز دور الأبن الرابع لخليفة حفتر، وهو صدام حفتر، كوريث لقدر مهم من سلطات والده.
وتبع هذا التطور تحول في العلاقة التي ربطت الجيش بالقاهرة، إذ لم ينحو صدام منحى والده في الدخول تحت مظلة الحماية والدعم المصري، والجميع يعلم أن القاهرة هي من دعمت حفتر بقوة في حرب بنغازي خلال الأعوام 2014 ـ 2017م، ووقفت موقفا حازما أمام احتمالية تقدم قوات الغرب الليبي، المدعومة تركياً، صوب الشرق بعد هزيمة قوات حفتر في حربه التي شنها على العاصمة العام 2019م.
ولأن ثقل قبيلة العبيدات مايزال وازنا ولم يتم احتواء القبيلة تماما من قبل الجيش، كان الخيار أن يكون البديل لعقيلة صالح في رئاسة مجلس النواب أحد أبناء القبيلة ذاتها.
تنحيه عقيلة صالح تكشف بشكل صارخ عن تطور أهم في الصراع السياسي الليبي، خاصة في جبهة الشرق، وهو صراع الإخوة “آل حفتر“، فكان صالح ضحية هذا الصراع، باختياره المراهنة على أحدهم على حساب الاخر.
معلوم أن رئيس أركان جيش الشرق، خالد حفتر، الأبن الثالث في الترتيب بين الأشقاء، ورئيس صندوق تنمية وإعمار ليبيا، بلقاسم حفتر، الأبن الثاني في الترتيب، قد نحيا منحى مصادم لشقيقهما صدام.
وظهر ذلك في المواقف المتناقضة للأشقاء من خطة بولس، والتي يراهن عليها صدام لمضاعفة نفوذه من خلال تولي منصب سياسي وعسكري أعلى على مستوى البلاد، فيما يتحفظ عليها بلقاسم وخالد، وصار في ركابهما عقيلة صالح.
وهنا تظهر علامة فارقة في المشهد الليبي ترتبط بتنحية عقيلة صالح، وهي خطة بولس، فبتنحية صالح، يتكشف أن الخطة وضعت لتنفذ، وأن الأطراف المحلية والخارجية التي تقف خلفهما مستعدة للإقدام على أي شئ لإزاحة أي عارض يقف في طريق الخطة، فتنحية عقيلة صالح ليس بالأمر الهين.
العامل الخارجي فعال جدا في توجيه السياسة الليبية، وأدوار الأطراف الاقليمية والدولية حاضرة بقوة، وقد كانت القاهرة في مقدمة الفاعليين الإقليميين في الأحداث السياسية والامنية منذ العام 2014، والتغيير في وزن القاهرة في المعادلة الليبية كان نتيجة للتغير في التوازنات الاقليمية خلال الخمس سنوات الماضية.
فقد تفكك الحلفي الخليجي المصري، ونجحت أنقرة في التسلل إلى الساحة الليبية، واحتواء الموقف المعادي لها من قبل دول الخليج ثم مصر، ويبدو أن دعم ترامب لأوردوغان يجد أثره في مسار الأحداث في ليبيا، وفي تنفيذ خطة بولس.
صدام حفتر، ابتعد من القاهرة واقترب من أنقرة، وهو متحمس لشغل منصب رئيس المجلس الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفق خطة بولس، التي تتحفظ عليها القاهرة، ولأن عقيلة صالح قد راهن على الحليف الإقليمي التقليدي واعتمد على الأشقاء المعارضون، وأنضم إلى الموقف المناوئ للخطة من قبل رئيس المجلس الرئاسي ورئيس المجلس الأعلى للدولة، كانت تنحيته الاختبار الأول للخطة، والخطوة الأولى الأكثر تأثيرا للمضي قدما صوب فرضها.
إن أول النتائج المتوقعة بعد تنحية عقيلة صالح هو المصادقة على اتفاق 4+4 وتضمينه دستوريا من قبل مجلس النواب، ويبدو أن الطريق بات معبدا لذلك، وعلى مستوى النفوذ الأمني والسياسي، فإن صدام حفتر مرشح لأن يكون الأقوى بين أشقائه، ودون منازع، خاصة بعد أنباء عن تراجع بلقاسم حفتر عن موقفه السابق.
التطور الأهم والأكبر سيكون على الساحة السياسية والأمنية في الغرب الليبي، حيث المعارضة الأشد لخطة بولس، وإذا صح الافتراض أن تنحية عقيلة صالح كان تداعيا طبيعيا لخطة بولس والإصرار على تنفيذها، فإن تطورات كبيرة يمكن ان تشهدها المنطقة الغربية في الأيام أو الأسابيع القادمة سعيا لتمرير الخطة.
____________
