أحمد الخميسي

قالت مصادر مقربة من محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى إن الأخير متمسك بطلب الاستقالة من منصبه، في ظل استمرار الانقسام الحكومي، وغياب الدعم المؤسسي للإصلاحات الاقتصادية، وتصاعد الضغوط على المصرف لتوفير التمويل، بالتزامن مع توسع الإنفاق العام وتزايد الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي وسعر صرف الدينار.

وأضافت المصادر، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، أن المصرف يتعرض لضغوط متواصلة من أطراف في شرق البلاد وغربها للحصول على الأموال، من دون مراعاة التداعيات النقدية والاقتصادية للتوسع في الإنفاق، مشيرة إلى أن تهريب السلع والمحروقات، إلى جانب تنامي الالتزامات المالية، يستنزفان موارد البلاد من النقد الأجنبي.

وقال مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية أحمد أبوسنين لـ “العربي الجديد” إن “قدرة المحافظ على وقف تدهور الدينار تظل محدودة في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وعدم ضبط الإنفاق العام، ومواصلة ضخ الأموال لتمويل الالتزامات الحكومية، بما يزيد الضغط على موارد النقد الأجنبي“.

ورجح أبوسنين ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية إلى 15 ديناراً قبل نهاية العام، إذا استمرت الاختلالات المالية والنقدية الحالية، معتبراً أن معالجة أزمة سعر الصرف لا يمكن أن تتحقق من خلال الإجراءات النقدية وحدها، ما لم يصاحبها ضبط للإنفاق وتنسيق فعلي بين السلطات المالية والنقدية.

من جانبه، قال أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبد الحميد الفضيل إن “مصرف ليبيا المركزي يواجه صعوبات متزايدة في احتواء استنزاف الاحتياطيات، في ظل غياب مؤشرات واضحة على توحيد الإنفاق العام، واستمرار الانقسام الحكومي، وتراجع الإيرادات النفطية المتاحة بفعل تضخم فاتورة المحروقات، فضلاً عن تصدير النفط خارج القنوات الرسمية، بما في ذلك شحنات من حقل أركنو، وعدم امتثال بعض المصارف التجارية لتعليمات المصرف المركزي“.

وأضاف الفضيل لـ “العربي الجديد” أن الضغوط التي يتعرض لها المصرف من أطراف نافذة في شرق البلاد وغربها للحصول على مزيد من الأموال، بالتزامن مع غياب الانضباط المالي، تحد من قدرته على إدارة السياسة النقدية بصورة مستقلة، محذراً من أن استمرار هذه الأوضاع يهدد بمزيد من التراجع في قيمة الدينار.

الإنفاق والانقسام يحدّان من صلاحيات المحافظ

وتعكس هذه المؤشرات، بحسب طبيعة الاختلالات القائمة، أزمة تتجاوز قدرة المصرف المركزي على معالجتها منفرداً، إذ يتزامن تعدد مراكز القرار والإنفاق مع اتساع الالتزامات العامة، من دون وجود إطار مالي موحد يضمن توافق المصروفات مع الإيرادات المتاحة. ويزيد هذا الوضع صعوبة السيطرة على الطلب على النقد الأجنبي، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط لتمويل الإنفاق وتغطية الواردات.

وكان عيسى قد تقدم في أغسطس/آب الماضي بطلب إعفائه من منصبه، عبر خطابين وجههما إلى رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الأعلى للدولة، من دون الكشف عن الأسباب، مكتفياً بالإشارة إلى حساسيتها. وأكد المحافظ لاحقاً صحة الخطابين، بينما دعاه رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة إلى مواصلة مهامه إلى حين البت في الطلب.

وفي 12 أغسطس، رفضت لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة في مجلس النواب طلب الاعتذار، وحثت المحافظ على الاستمرار في مهامه، داعية إلى إعداد خطة اقتصادية شاملة للإصلاح.

وتحدثت تقارير إعلامية محلية آنذاك عن خلافات تتصل بالإنفاق العام وتمويل الالتزامات الحكومية وتوريد إيرادات النفط، في ظل مطالب بضبط المصروفات والحد من التوسع في الالتزامات المالية بما يتجاوز قدرة الإيرادات العامة.

وتولى ناجي عيسى منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2024، خلفاً للصديق الكبير، عقب اتفاق بين مجلسي النواب والدولة برعاية بعثة الأمم المتحدة، لتسوية أزمة قيادة المصرف التي اندلعت في أغسطس/آب من العام نفسه.

وخلال فترة توليه المنصب، خُفضت قيمة الدينار مرتين، الأولى في إبريل/نيسان 2025 بنسبة 13.3%، والثانية في يناير/كانون الثاني الماضي بنسبة 14.7%، ليصل سعر الصرف الرسمي إلى نحو 6.38 دنانير للدولار.

ويعيد تمسك المحافظ بالاستقالة تسليط الضوء على حدود قدرة السياسة النقدية في مواجهة أزمة تتداخل فيها الانقسامات السياسية والمؤسسية مع التوسع في الإنفاق العام وضعف الانضباط المالي. وفي غياب معالجة هذه الاختلالات، تبقى قدرة المصرف المركزي على حماية قيمة الدينار والحد من استنزاف النقد الأجنبي مقيدة بعوامل تتجاوز نطاق صلاحياته المباشرة.

وحذر صندوق النقد الدولي، في بيان ختام بعثته لمشاورات المادة الرابعة في إبريل/نيسان الماضي، من أن الإنفاق العام تجاوز المستويات المستدامة، وأن العجز المالي بلغ نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، في حين ارتفع الدين العام إلى نحو 146% من الناتج خلال عامين.

كما نبه إلى أن استمرار السياسات الحالية قد يفاقم الضغوط على سعر الصرف والاحتياطيات الأجنبية ويرفع التضخم، مشيراً إلى أن الإجراءات النقدية وحدها لا توفر حلّاً دائماً في غياب الانضباط المالي.

من جهته، أشار البنك الدولي إلى أن الانقسام المؤسسي وغياب ميزانية موحدة يضعفان الانضباط المالي ويعقدان تخطيط الإنفاق وتنفيذه، في وقت لا تزال فيه الإيرادات العامة شديدة الارتباط بالنفط. وأوصى بتحسين الشفافية والمساءلة وإدارة السيولة العامة، بما في ذلك تعزيز الرقابة على الإيرادات والمصروفات.

ورغم توقيع اتفاق بشأن ميزانية موحدة في إبريل الماضي، للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، لا يعني الاتفاق بالضرورة انتهاء الانقسام التنفيذي أو توحيد جميع قنوات الإنفاق فعلياً. وتظل فاعليته مرتبطة بمدى الالتزام بالتنفيذ، وتنسيق المؤسسات، وضمان خضوع الإنفاق والإيرادات لآليات موحدة للرقابة والمساءلة.

فجوة سعر الصرف تضغط على الاحتياطيات

وبلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 10.13 دنانير، مقابل نحو 6.38 دنانير في السوق الرسمية، بفارق يقارب 3.75 دنانير، أي نحو 59% فوق السعر الرسمي، في مؤشر على استمرار اتساع فجوة سعر الصرف رغم الإجراءات النقدية المتخذة.

وتزيد هذه الفجوة الضغوط على السوق المحلية، في ظل اعتماد ليبيا على الاستيراد لتلبية جانب كبير من احتياجاتها، بينما يؤدي تهريب السلع والمحروقات المدعومة إلى استنزاف الموارد العامة وتغذية الطلب على النقد الأجنبي.

وتراجعت الأصول الأجنبية للمصرف إلى نحو 95 مليار دولار في نهاية أغسطس/آب، مقارنة بـ99.4 مليار دولار في نهاية 2025، وبلغ العجز في ميزان المدفوعات 4.7 مليارات دولار، وفق البيانات المنشورة لمصرف ليبيا المركزي في أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

____________

مقالات مشابهة