عبدالله الكبير
لماذا يتمسك السياسي بمواقفه وقراراته مهما بلغ حجم ومدى الإعتراض عليها؟
لأنه من الأساس يتريث ولا يتخذ موقفا ولا يصدر قرارا إلا بعد بعد تأن ودراسة واستشارة، مقلبا موضوع القرار على كل جوانبه، وناظرا له من كل الجهات والزوايا، ثم يقرأ الاعتراضات المتوقعة وردود أفعال المعترضين وأسبابها ومدى وجاهتها، وبعد أن تتكامل في رؤيته كل هذه الاشتراطات المطلوبة يعلن عن موقفه.
الوضع نفسه ينطبق على المؤسسات التشريعية، التي تملك براحا أكبر من المتاح للسياسيين أو المؤسسات السياسية التنفيذية، للبحث والتدقيق والمداولة والمراجعة قبل إصدار القوانين والقرارات.
إذ لديها الوقت المخصص للجلسات، والحوار الجماعي داخل القاعة والنقاش وتبادل وجهات النظر، ومتاح لها الاستعانة بالخبراء وسؤال أهل الذكر في كل التخصصات، فلا تخرج القوانين، ولا تعلن القرارات إلا بعد نضجها والتيقن من سلامتها وفائدتها وتحقيقها للمصلحة العامة، مع جاهزية المؤسسة التشريعية رئيساً وأعضاءً للشرح والتوضيح للناس عبر وسائل الإعلام، حول كل ما يخص الدوافع والأسباب التي دعت لإصدار أي قانون، فضلا عن النقل المباشر والتسجيل للجلسات، ما يتيح المتابعة والمراقبة لكل مهتم.
لم يلتزم مجلس النواب بهذا البروتوكول المعروف للمؤسسات السياسية خاصة التشريعية منها، ولم يضع في اعتباره أبدا مصلحة البلاد وأمنها القومي وسلامة شعبها، وارتكب كل الخيانات التي عرفها والتي لم يعرفها العالم المعاصر.
فشرعن الحروب الأهلية، مسلطا العصابات الإجرامية الإرهابية على الناس، وفتح الباب للمقاتلات الأجنبية تقصف أبناء الوطن ومقدراته، وأباح نهب الأموال العامة بتحصين اللصوص من المحاسبة والمسائلة ( جهاز الإعمار ).
وهدد رئيسه في خطاب حماسي أمام برلمان دولة مجاورة باحتمال استدعائه لجيشهم ليتدخل في بلادنا، وخطب على المنابر الدولية ليتهم خصومه السياسيين من أبناء الوطن بالإرهاب، واعتدى بقراراته على مؤسسة القضاء لكي تتوقف عن مراقبته وإبطال عبثه.
لم يحترم الإعلان الدستوري الذي حدد له صلاحياته كبرلمان مؤقت، وانقلب على الاتفاقيات السياسية وغير ذلك من الجرائم المدونة والموثقة.
في آخر العبث الذي لم ولن ينتهي مادام هذا المجلس مستمرا ، فرض المجلس ضريبة إضافية على بعض السلع الاستهلاكية، وإزاء الاعتراض الواسع عليها شعبيا ورسميا، وامتداد الرفض إلى مجلس النواب بإصدار بعض الأعضاء بيانا لموقفهم من هذه الضريبة، مؤكدين أنها لم تخضع للمناقشة داخل الجلسات.
ثم اتهم عضو بارز تلميحا أحد صبيان رئيس المجلس بالتدخل وممارسة تأثير على رئيس المجلس ليفرض هذه الضريبة، مطالبين بإنهاء مركز دراسات وهمي في القاهرة لا أثر ولا نتاج له يترأسه هذا الصبي، وتصرف له ميزانية قيمتها بالملايين من الدخل الوطني.
ضريبة السلع الإستهلاكية صدرت دون أن تكون هناك ضرورة حقيقية لها، وفي وقت بالغ الصعوبة تدهورت في معيشة المواطن بسبب ارتفاع أسعار السلع والخدمات، والتراجع المخيف في قيمة العملة المحلية إزاء العملات الأجنبية، ما أدى إلى اختلال التوازن بين دخل الأسرة الليبية وقيمة ما تحتاجه من سلع ومستلزمات ضرورية في مجرى الحياة اليومية.
ولو كان هدف المجلس هو التخفيف عن الناس، ومد يد العون لهم في خضم هذا التضخم والغلاء، يكفي أن يتخذ بعض الإجراءات بشأن قانون الميزانية الموحدة، ويلغي بعض القوانين التي أصدرها لتشريع نهب عائلة حفتر للمليارات دون حساب، ويحل الحكومة الموازية ويفعل دوره الرقابي على الحكومة الشرعية.
مع تزايد مساحة الغضب الشعبي والاحتجاج، تراجع رئيس مجلس النواب عن قراره، داعيا محافظ المصرف المركزي إلى وقف العمل بالقرار.
متهما نائبيه على التوالي بأنهما وراء إصدار القانون، ورد النائبان بالنفي في بيانين منفصلين.
ليس بدعة أن تتراجع المؤسسة التشريعية عن قانون أو قرار أصدرته بالإلغاء أو التعديل إذا تبين لها فيما بعد ضرورة اتخاذ هذا الإجراء.
ولكن هذا أمر نادر الحدوث لأن المؤسسات التشريعية كما ذكرنا سلفا لا تعمل بشكل عشوائي، بل تطبخ فيها القوانين والقرارات على نار هادئة، ومع ذلك فالخطأ أو سوء التقدير وارد.
ولكن ما صاحب قانون ضريبة السلع من تصريحات وبيانات وتعليقات، يؤكد بدون لبس أن القرار اتخذ بشكل عشوائي ولم يجر تداوله وبحثه في الجلسات، كما هي العادة في أغلب القوانين والقرارات، وأن رئيس المجلس لم يتردد في التنصل من القرار ورميه على نائبيه، لأنه يفتقد لشجاعة المواجهة والاعتراف بالمسؤولية، التي تعني في النهاية الاستقالة عن المنصب لانعدام الكفاءة.
كل هذا العبث المستمر في المؤسسة التشريعية الأولى، مع فصول أخرى من العبث والنهب لدى المؤسسات الأخرى، يلخص الحالة البائسة التي وصلتها البلاد، دونما أي أمل في تحرك داخلي يعجل بالعمل على إنقاذ البلاد من هذه الكيانات الخطيرة.
بكل الأسف والمرارة، ثمة حريق هائل يتمدد وتتصاعد ألسنة لهيبه عاليا ولا أحد يتحرك لإنقاذ ما تبقى من الوطن.
____________
