صلاح الهوني

الوثيقة خلاصة دروس تراكمت منذ 2011 تؤكد أن الشرعية تُبنى بالشمولية والرقابة وأن المستقبل ممكن إذا التفت الإرادة الوطنية حولها.
ليبيا لا تعاني من نقص في الوثائق أو المبادرات، فمنذ عام 2011 تراكمت الاتفاقيات والخرائط والتوصيات لتؤكد أن البحث عن الحل لم يتوقف يومًا. صحيح أن اتفاق الصخيرات عام 2015 لم يحقق مبتغاه، وأن ملتقى الحوار السياسي في 2021 لم يفضِ إلى الانتخابات كما كان مأمولًا، لكن هذه المحطات لم تكن عبثًا؛ فقد شكلت خبرة تراكمية تكشف ما يجب تجنبه وما ينبغي البناء عليه.
اليوم، مع التقرير الختامي للحوار المهيكل، لا يُطلب من الليبيين أن يثقوا في مجرد نص جديد، بل أن يروا فيه خلاصة دروس الماضي وفرصة عملية لإنهاء الانقسام وفتح الطريق نحو الشرعية الانتخابية.
ما تضمّنته الوثيقة، يختلف في بنيته الجوهرية عمّا سبقه من نصوص وتجارب. فهي لا تكتفي بطرح توصيات عامة، بل تضع إطارًا زمنيًا صارمًا غير قابل للتمديد، وتقرّ آليات رقابية ملزِمة، وتفرض حظرًا على إبرام الاتفاقيات السيادية طويلة الأمد خلال المرحلة الانتقالية.
بعبارة أخرى، إنها وثيقة صيغت بعناية لتمنع تكرار أخطاء الماضي داخل بنيتها ذاتها، وتقدّم ضمانات عملية بأن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد نسخة جديدة من محطات سابقة انتهت إلى طريق مسدود.
التوصية بتشكيل سلطة تنفيذية موحدة، تضم مجلسًا رئاسيًا وحكومةً تُحال إلى البرلمان لنيل الثقة خلال ثلاثين يومًا، ليست جديدة في حد ذاتها. لكن الجديد هذه المرة هو الآلية التي تُفرز القيادة عبر لجنة الحوار السياسي الليبي، لا عبر صفقات مغلقة بين أطراف لا تمثل إلا نفسها.
وحين يُضاف إلى ذلك الحظر الصريح على إبرام الاتفاقيات السيادية طويلة الأمد خلال الفترة الانتقالية، يصبح المعنى أوضح: السلطة الانتقالية جُعلت للتهيئة تأمين الطريق نحو الانتخابات لا لتكريس واقع مؤقت جديد.
في ثنايا التقرير، تبرز إشارات إلى إدراج المرأة والشباب والمكونات الثقافية وذوي الإعاقة في مؤسسات السلطة التنفيذية. قد يبدو هذا تفصيلًا ثانويًا في سياق أزمة بهذا الحجم، لكنه في الحقيقة يحمل أهمية استراتيجية بالغة.
فالتجارب الانتقالية الناجحة في العقود الأخيرة – من جنوب أفريقيا إلى تونس بعد 2011، ومن رواندا إلى كولومبيا – أثبتت أن الشرعية لا تُبنى فقط عبر صناديق الاقتراع، بل عبر شعور كل مكوّن اجتماعي بأنه جزء من الدولة التي يُعاد بناؤها. الشرعية الحقيقية هي أن يرى المواطن نفسه ممثلًا في مؤسسات الحكم، وأن يشعر أن صوته ليس مجرد رقم في الانتخابات.
ليبيا، بطبيعتها، مجتمع متنوع أكثر مما تُظهره الخرائط القبلية أو الجغرافية. الشابات اللواتي قدن حملات مجتمعية في سنوات الفوضى، وشبان الجنوب الذين يرون أرضهم محكومة بالقبضة المسلحة، ومكونات الأمازيغ والتبو والطوارق التي طالبت بحقوق اعتراف لم تكتمل بعد، جميعهم لا يريدون مجرد انتخابات شكلية، بل انتخابات تمنحهم مقعدًا حقيقيًا على الطاولة الوطنية.
إن إدراج هذه الفئات في السلطة التنفيذية رسالة بأن ليبيا الجديدة تُبنى على قاعدة شاملة، وأن المستقبل لن يكون حكرًا على النخب التقليدية، بل مشروعًا جماعيًا يشارك فيه الجميع.
ربما أكثر ما يُبهج في هذا التقرير ليس ما يقترحه، بل ما يُقيّده. فالتوصيات تُخضع أعمال السلطة التنفيذية لرقابة قضائية وبرلمانية فعلية، وتفتح الباب صراحةً أمام دور المجتمع المدني والإعلام في المتابعة والمساءلة.
هذا ليس ترفًا نظريًا، بل هو الدرس الأشد قسوة الذي أعطته ليبيا لنفسها منذ 2011: أن الفراغ المؤسسي لا يملؤه الأصلح، بل يملؤه الأقوى.
ولا يمكن الحديث عن انتخابات في ليبيا دون الحديث عن المؤسسة الأمنية. فليبيا اليوم تعيش في ظل سيطرة ميليشيات محلية وإقليمية وأطراف دولية تستفيد من استمرار الفراغ الدستوري. أي انتخابات تجري في ظل هذا الفراغ ستكون نتائجها رهينة من يملك القوة لا من يملك الشرعية.
لذلك، تتضمن التوصيات دعوة إلى وضع المؤسسات العسكرية والأمنية تحت قيادة موحدة تابعة للسلطة التنفيذية الجديدة. وهذا – لا يُخفى على أحد – هو الاختبار الأكثر صعوبة. وضع السلاح تحت سلطة مدنية في بيئة تعلّم فيها السلاح أن يكون هو السلطة لا وسيلتها، يستلزم معادلات ثقة ومصلحة لا تبنيها المقترحات وحدها.
لكن ما يُقال هنا صراحةً، وهو ما قيل في حوارات البوسنة وما أُقرّ في اتفاق السلام الكولومبي عام 2016، هو أن الدمج التدريجي للميليشيات في مؤسسات دولة شرعية أقل ضررًا من إبقائها خارج الدولة بالقوة أو بالإهمال.
أكثر ما يمنح هذا التقرير مصداقية أولية هو ما يتعمّد تركه غامضًا. فالتحديد الصارم للولاية الانتقالية بين 18 و24 شهرًا “دون تمديد” لا يُعد مجرد سقف زمني، بل رسالة مباشرة إلى كل طرف يراهن على الفراغ باعتباره رأس مال سياسي: هذا الفراغ له تاريخ انتهاء محدد.
وأي محاولة للتمسك بالسلطة بعد انقضاء هذه المدة، أو لتعطيل الانتخابات، ستُعتبر خرقًا جسيمًا لما توافق عليه الليبيون. إن هذا الإطار الزمني الصارم لا يؤدي وظيفة قانونية فحسب، بل يحمل أيضًا أثرًا نفسيًا بالغ الأهمية؛ إذ يمنح المواطن الليبي المرهق أفقًا واضحًا، فلا انتقال مفتوح بلا نهاية، ولا مرحلة مؤقتة تمتد عقدًا كاملًا، بل سلطة تعرف منذ يومها الأول متى تنتهي صلاحيتها.
ليبيا تواجه اليوم ثلاثة مخاطر حقيقية:
أولها الانقسامات الداخلية التي تجعل أي توافق هشًّا ما لم يكن مصحوبًا بضمانات تطبيق لا مجرد توقيعات.
ثانيها التدخلات الخارجية من أطراف إقليمية ودولية لا تزال ترى في استمرار الفوضى الليبية مصلحة لها – وستقاوم أي ترتيب ينقص نفوذها.
وثالثها ضعف الثقة المتبادلة بين الأطراف الليبية، الذي يجعل كل بند في الوثيقة عرضة لتفسيرات متعارضة.
لكن الحقيقة الأشد إلحاحًا هي أن هذه المخاطر ليست جديدة، وليبيا لم تنتظر حتى تختفي قبل أن تتفاوض. كل الاتفاقيات الكبرى في التاريخ أُبرمت بين أطراف لا تثق ببعضها، وإلا ما احتاجت إلى اتفاقية أصلًا.
المنطق الوحيد الذي قد يُحوّل الوثيقة من ورقة إلى واقع هو أن تكون تكلفة العودة إلى الانقسام أعلى من تكلفة القبول بالحل. وهذا ما تُحاول التوصيات أن تؤسّس له.
بعد ستة أشهر من جلسات نقاش شارك فيها نحو مائتي ليبي من مختلف المناطق والخلفيات، أعلن الحوار المهيكل توصياته الختامية. ستة من المشاركين أبدوا تحفظاتهم، وهو أمر طبيعي في أي عملية ديمقراطية جادة، فالإجماع المطلق ليس ديمقراطية بل استبداد.
الأهم أن الوثيقة باتت موجودة، وأن مضمونها يقدم خريطة قابلة للتطبيق إذا توافرت الإرادة. والسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت الوثيقة مثالية، بل ما إذا كان الليبيون قادرين على تحويل هذا الإطار الناقص إلى أفضل مما عاشوه خلال العقد ونصف الماضي.
تجارب الأمم، من بلفاست إلى بريتوريا، ومن أديس أبابا إلى بوغوتا، تؤكد أن الجواب يمكن أن يكون نعم. ليس لأن البشر ملائكيون، بل لأن المجتمعات تتعلم أحيانًا من صدماتها.
وليبيا عانت بما يكفي لتدرك أن الفرصة الحالية مختلفة. فالتوصيات تمنحها إمكانية بدء مسار انتخابي حقيقي، وتفتح الباب أمام إثبات أن الإرادة الوطنية قادرة على تجاوز الانقسامات والتدخلات إذا التفت حول هدف واحد. القضية ليست في كمال النص، بل في قابليته للتنفيذ.
وإذا اختار الليبيون أن يمنحوه ثقتهم، فإنهم يراهنون على أنفسهم قبل أي شيء، وعلى قدرتهم على كتابة فصل جديد في تاريخهم السياسي: فصل الانتخابات وأعادة الشرعية إلى مؤسسات الدولة.
_____________
