علي العسبلي

سمعنا جميعاً بمصطلح الطابور الخامس، الذي ظهر خلال الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936 عندما قال الجنرال، إميليو مولا، إنّ قواته تتقدّم نحو مدريد بأربعة طوابير عسكرية، بينما يعمل طابور خامس داخل المدينة لتهيئة سقوطها من الداخل.

منذ ذلك الوقت صار المصطلح مُرادفاً للخيانة، وللعدو المُندس، الذي ربّما لا يفصل بينك وبينه سوى شارع واحد.

في ليبيا، بعد 2011، استُهلك المصطلح إلى درجة فقد معها معناه تقريباً. كلّ طرف صار يرى الطابور الخامس في الطرف الآخر. الإسلاميون يتهمون خصومهم، وأنصار الحكم العسكري يتهمون معارضيهم، والجميع يتهم الجميع بالخيانة والعمالة، حتى بدا وكأنّ البلد مُحاصر بملايين المُتآمرين. وتحوّلت العبارة مع الوقت إلى شتيمة سياسية جاهزة أكثر من كونها توصيفاً لحالة حقيقية.

لكن المشكلة في ليبيا اليوم لم تعد هنا. فالخيانة نفسها لم تعد عملاً سرّياً يحتاج إلى التخفّي.

فهناك اليوم في ليبيا من يدافع عن الاستبداد علناً، ومن يبرّر القمع بلا أيّة محاولة للتجميل، ومن يتضامن مع الظلم ويطالب الظالمين بالمزيد. لم يعد كثيرون يشعرون بالحاجة إلى الاختباء أصلاً، صار كلّ شيء يُقال مباشرة، بلا خوف ولا حتى خجل. لهذا أعتقد أنّ مشكلتنا الحقيقية أصبحت في شيء آخر أسميته الطابور السادس.

الجميع يتهم الجميع بالخيانة والعمالة، حتى بدا وكأنّ البلد محاصر بملايين المتآمرين

الطابور السادس لا يندس بين الصفوف، ولا يرفع السلاح ضدّك، ولا يعمل لصالح خصومك، ولا يكتب تقارير كيدية لأحد. هو فقط يقف خارج المشهد كلّه. يراقب من بعيد، يهزّ كتفيه، ثم يعود إلى حياته اليومية كأنّه غير معني بما حدث أو بما سيحدث. إنّه ذلك الشخص الذي يتعامل مع السياسة باعتبارها مشكلة لا تخصّه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ويردّد في داخله العبارة نفسها: عاش الملك، مات الملك.

لا يعنيه كثيراً من يحكم، ولا كيف تُدار البلاد، ولا إن كانت تسير نحو الأفضل أو نحو الهاوية. المهم أن تستمر حياته الشخصية بأقل قدر ممكن من الإزعاج.

موظّف يوقع أوراقه في وسط اليوم ويعود إلى بيته عصراً، منتظراً راتباً يتآكل قبل أن يصل إلى جيبه.

أب منشغل بتأمين احتياجات أسرته. شاب أقنع نفسه أن لا شيء سيتغيّر مهما حدث. لكلّ واحد أسبابه، لكن النتيجة واحدة: الانسحاب من الشأن العام وتركه لمن يريد السيطرة عليه.

قد يبدو هذا مفهوماً، وربّما مُبرّراً، في بلد استنزفته الحروب والانقسامات والفشل المُتكرّر، لكن الانسحاب من المجال العام ليس موقفاً مُحايداً كما يعتقد كثيرون.

عندما ينسحب الناس العاديون من المشهد، يملأ الفراغ آخرون: المليشيات، ولوبيات المصالح، والانتهازيون، وكلّ من يملك المال أو السلاح أو القدرة على فرض نفسه بالقوّة. وفي النهاية لا يسيطر الأقوى دائماً لأنّه الأقوى فقط، بل لأن الآخرين انسحبوا وتركوا الساحة فارغة.

الاستبداد لا يطلب من الجميع أن يؤيّدوه، يكفيه أن يقرّر عدد كافٍ من الناس أنّ الأمر لا يعنيهم

أتذكّر دائماً العبارة المنسوبة إلى إدموند بيرك بأنّ انتصار الشر يحتاج إلى شيء واحد فقط: أن لا يفعل الأخيار شيئاً. وربّما لهذا يبدو الطابور السادس أخطر أحياناً من الطابور الخامس نفسه.

الخائن واضح على الأقل ويمكن التعرّف عليه ومواجهته. أمّا اللامبالاة فشيء أكثر ضبابية، وأكثر قدرة على التغلغل داخل المجتمع والفتك به من دون أن يُثير الانتباه.

في ليبيا، وبعد كلّ هذه السنوات، تشكّل نوع من الإرهاق الجماعي، وكثير من الناس فقدوا الثقة في السياسة قبل أن يفقدوا الثقة في الساسة، وفي فكرة التغيير قبل أن يفقدوا الثقة في من يتحدثون باسمه. وهذا مفهوم إلى حدّ بعيد.

لكن عندما يتحوّل الإحباط إلى انسحاب كامل، وحين تصبح النجاة الفردية الفكرة الوحيدة المُتبقية، فهنا تكمن الخطورة. عندها لا يعود الاستبداد في حاجة إلى مؤيدين كثر، يكفيه مجتمع مُتعب، صامت، ومُنشغل بالنجاة بنفسه.

ربما لهذا لا أخاف كثيراً من الطابور الخامس بقدر خوفي من الطابور السادس. أولئك المرهقين الذين يمشون دائماً بمحاذاة الجدار، يراقبون كلّ شيء من مسافة آمنة، ويقنعون أنفسهم أنّ ما يحدث لا يخصّهم. الاستبداد لا يطلب من الجميع أن يؤيّدوه، يكفيه أن يقرّر عدد كافٍ من الناس أنّ الأمر لا يعنيهم.

_________

مقالات مشابهة