صابر بن عامر
لم تكشف الهجمات الأخيرة على منشآت النفط والكهرباء في الزاوية هشاشة الأمن وحدها، بل كشفت أزمة الحكم نفسها.
منشآت عامة تُستهدف، والجهة المنفذة لم تُحدّد رسمياً، والسلطات متعددة، بينما تصل الفاتورة مباشرة إلى المواطن.
لم يعد السؤال كيف عبرت المسيّرات فحسب، بل مَن يملك أصلاً سلطة التحقيق والمحاسبة؟
حين تعجز الدولة عن تحديد من يضرب منشآتها ومحاسبته، لا يبقى الفراغ شاغراً، بل يملؤه من يملك السلاح أو المال أو القدرة على فتح الطريق وإغلاقه.
ومن هنا تبدأ سلطة الوسيط، فليبيا لا تعاني نقصاً في أصحاب النفوذ، بل كثرتهم؛ كل طرف يمسك بباب، ولا أحد يتحمل مسؤولية البيت كله.
في الدولة التي تعمل مؤسساتها، تكون العلاقة مباشرة بين المواطن والمؤسسة. حق يحميه القانون، وخدمة تقدمها الإدارة، ومال عام تضبطه الموازنة، وأمن تحتكره الدولة.
أما في ليبيا، فقد تسلل الوسيط إلى هذه العلاقة حتى أصبح هو الدولة الفعلية. فلا تكفي مشروعية الحق، بل يتوقف الوصول إليه على من يستطيع فتح الطريق.
اقتصادياً، لا يحكم فقط من يوقّع قرار الإنفاق، بل من يتحكم في الوصول إلى المال العام، عبر عقد أو اعتماد أو وظيفة أو وقود أو إذن بالصرف.
وهكذا لا تتوزع الموارد وفق الأولويات بقدر ما يعاد من خلالها ترتيب النفوذ، والثروة التي يُفترض أن تحرر المواطن من الحاجة إلى أصحاب القوة، أصبحت وسيلة لإبقائه محتاجاً إليهم.
وعسكرياً، لا يخضع حامل السلاح بالكامل للقرار السياسي، بل يتحول إلى وسيط بين المواطن والأمن؛ يوفر الحماية حيناً، ويحجبها حيناً آخر، ويفرض نفسه شريكاً في القرار.
عندها لا يسأل المواطن “أي قانون يحميني؟”، بل “إلى مَن ألجأ؟”، وبمجرد أن يصبح الأمن خدمة شخصية، يفقد القانون معناه العام.
وسياسياً، تحولت الأجسام القائمة إلى بوابات للشرعية والمناصب والموارد، يملك كل منها القدرة على تعطيل الآخر.
وهكذا لم تعد المرحلة الانتقالية جسراً إلى الدولة، بل نظاماً دائماً لإدارة التأجيل. فمن يحل الأزمة قد ينتهي دوره، أما من يديرها فيضمن مقعداً في الجولة التالية.
هذه المنظومة لم تصنعها جهة واحدة؛ أسهمت فيها حكومات وزعت المال بلا رقابة، وأجسام سياسية شرعنت التأجيل، وقوى مسلحة استخدمت الحماية لتوسيع نفوذها، ومؤسسات خضعت للأقوى أو استفادت من الوضع القائم.
لذلك لم يصل البلد إلى هذا العجز مصادفة، بل نتيجة قرارات وممارسات متراكمة جعلت الاستثناء قاعدة، والمرحلة المؤقتة واقعاً دائماً.
ولم يكن الخارج متفرجاً، فكثير من العواصم تعاملت مع ليبيا بوصفها مجموعة مفاتيح نفوذ، لا دولة واحدة، ففاوضت من يسيطر على الأرض أو النفط أو السلاح، ومنحت الوسطاء شرعية إضافية، ثم طلبت منهم المساعدة في بناء المؤسسات التي أسهم هذا التعامل نفسه في تجاوزها.
لكن الأثر الأخطر يظهر في حياة الناس اليومية، فالمواطن حين يمرض يبحث عمن يساعده في دخول المستشفى، وحين يصدر حكم لصالحه يبحث عمن يستطيع تنفيذه.
عندها لا تعود الواسطة مجرد طريق أسرع إلى الدولة، بل تصبح بديلاً عنها، ولا يحصل المواطن على حقه بصفته مواطناً، بل وفقاً لمن يعرفه ومن يستطيع التدخل لمصلحته.
ولا يعني ذلك أن القبيلة أو المدينة أصل المشكلة، فالناس يلجؤون إلى الروابط الأقرب عندما تفشل المؤسسة الأبعد. لكن ما يبدأ وسيلة اضطرارية للبقاء، يتحول تدريجياً إلى نظام يعيد إنتاج نفسه، لأن الوسيط الذي نشأ بسبب ضعف الدولة تصبح له مصلحة في ألّا تقوى بما يكفي للاستغناء عنه.
من هنا يمكن فهم طبيعة الطبقة التي أفرزتها السنوات الماضية، فالمنظومة لا تنتقي بالضرورة من يعرف الإدارة أو يفهم المجتمع، بل من يجيد الوساطة بين مورد عام ومصلحة خاصة، أو بين السلاح والسياسة، أو بين المواطن وحقه. وهكذا تنتج المنظومة مسؤولين يخدمون أتباعهم، بدلاً من بناء مؤسسات تضمن الحقوق للجميع.
لهذا لا تُقاس أي تسوية جديدة بعدد مراكز النفوذ التي ترضيها، بل بمقدار ما تُنهيه من سلطات موازية، وما تعيده من علاقة مباشرة بين المواطن والمؤسسة. فإذا بقي المال خارج الرقابة، والسلاح فوق القانون، والسلطة بعيدة عن التفويض الشعبي والمحاسبة، فلن تكون التسوية سوى إعادة توزيع للوسطاء.
ليبيا ليست دولة فاشلة بطبيعتها، بل دولة ممنوعة من الاكتمال، لأن نقصها أصبح مصدر سلطة وربح لمن يسكنون الفراغ بينها وبين شعبها. وهي لا تحتاج إلى حاكم إضافي، بل إلى إلغاء الحاجة إلى حاكم صغير عند كل باب.
يوم يحصل الليبي على حقه من دون أن يسأل “مَن نعرف؟” تكون الدولة قد بدأت.
_________
