عبدالله الكبير

يبدو أن المشهد السياسي الليبي سيتحرك قليلا بعد جمود معقد وتجاذبات حادة إذ أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن توقيع لجنة 4+4 بالأحرف الأولى على وثيقة اتفاق نهائي على لجنة إدارة المفوضية العليا للانتخابات والقوانين الانتخابية.

وهو ما يعني نجاح البعثة في تفكيك أول مركبات الأزمة عبر مقاربات ديناميكية جديدة، تجاوزت فيها مجلسا النواب والدولة، ودعت بشكل مباشر قوى الأمر الواقع في الشرق والغرب للتفاوض، مع تمثيل شبه رمزي للمجلسين بعضوين من كل مجلس، مؤكد أنهما أقرب في رؤيتهما لطرفي التفاوض.

التوقيع المبدئي بالأحرف الأولى خطوة مهمة تختصر الكثير، ولكنها ليست كافية ولا يمكن اعتبارها تجاوز للمعضلات الكامنة في الخطوات اللاحقة، ولا نعرف هل ستنال وثيقة الاتفاق القبول من أصحاب القرار شرقا وغربا، ويتم التوقيع النهائي عليها خلال الأيام القليلة المقبلة كما أعلنت البعثة؟ أم أن العرقلة مستمرة ولن يكتمل المسار حتى تنفيذ الانتخابات

تصريحات المبعوثة الأممية في إحاطتها الأخيرة كشفت عن نهاية المفاوضات في لجنة 4+4، قبل الإعلان عن التوقيع بالأحرف الأولى في اليوم التالي.إذ قالت بشكل صريح

ومع اقتراب اختتام الاجتماع المصغر لأعماله، ندرس الآن أفضل السبل للمضي قدما في المرحلة التالية من خارطة الطريق وهي إحراز تقدم في مسألة توحيد الحكومة والمؤسسات القادرة على السير بالبلاد نحو الانتخابات. ” 

تشكيل الحكومة أو توحيدها أو إعادة بنائها هي المعضلة الأبرز التي تهدد خارطة الطريق، لأن كل الأطراف محليا وإقليميا ودوليا تسعى لنيل حصة فيها، لضمان استمرار مصالحهم ونفوذهم.

المؤيدون لصفقة بولس يعتقدون ان الدمج بين مبادرة البعثة وصفقة بولس واقع لا محالة، وأن التوافق في لجنة 4+4 حول مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات والقاعدة القانونية للانتخابات، هو الخطوة الممهدة لتنفيذ صفقة بولس بوضع ابن حفتر رئيسا للمجلس الرئاسي مقابل بقاء الدبيبة رئيسا للحكومة.

ولكن لا يبدو أن تمرير الصفقة، إن كانت البعثة بالفعل تعمل على تمريرها ضمن أجندة مبادرتها، سيكون بهذا اليسر، فالاعتراضات واسعة في كل أنحاء البلاد، حتى الذي يفرض عليها الصمت مثل إقليم برقة، وقد حذرت مراكز بحثية مرموقة من فرضها.

في الخطوات التالية ستعمل البعثة على مصادقة مجلسي النواب والدولة على الاتفاق، مراهنة على نفوذ سلطات طرابلس وبنغازي على المجلسين، ولكن وثيقة الرئاسات الثلاثة تطرح مبادرة مختلفة، ترفض تهميش المجلسين وتعيد العملية السياسية حكرا عليهما، وقد تجاهلتها البعثة عقب صدورها، ولكنها الآن تطلب من المجلسين مزيدا من التوضيحيات حولها.

هذا التحول في موقف البعثة تجاه المبادرة يمكن تفسيره بالتحرك الفرنسي المضاد للصفقة الأمريكية، والذي يبدو أنه يتبني مبادرة الرئاسات الثلاثة، ويدور الحديث حول لقاء مرتقب في باريس يجمع محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة مع عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، وهذا تحدي جديد تواجهه البعثة فالمبادرات الأحادية التي ترعاها الدول تربك المسار الأممي وتضعفه

وفي إحاطتها الشاملة حذرت المبعوثة الأممية من أن استمرار الانقسام المؤسسي لم يعد مجرد خلاف سياسي بين النخب، بل بات يهدد مباشرة القدرة الأساسية للدولة على البقاء، وتلبية احتياجات مواطنيها اليومية، وذكرت بشكل محدد أزمة انقطاعات الكهرباء وسط موجة حر طويلة، في بلد يملك أضخم احتياطات نفطية في أفريقيا.

وهي مفارقة عجيبة تعكس حجم الفساد والإهمال في قطاع بالغ الأهمية، فالكهرباء هي  أساس الحياة الحديثة، فمع احتياجات الناس للكهرباء في البيوت لتشغيل كافة الأجهزة، تعتمد عليها كل القطاعات الخدمية الأخرى، فمحطات الوقود على سبيل المثال تتوقف عن العمل وتتكدس السيارات أمامها في طوابير طويلة ليس بسبب نقص الوقود، وإنما لعدم وجود كهرباء تشغل المضخات.

المعضلة اقتصادية البارزة في أزمة الكهرباء هي انفاق الدولة قرابة مليار دولار شهرياً لاستيراد الوقود، ومع ذلك تظل شبكات الكهرباء عرضة لنقص الإمدادات. واعتبرت المبعوثة أن هذا يمثل دليلاً واضحاً على عمليات تحويل واسعة النطاق للوقود المخصص لتغذية شبكات الكهرباء.

الانهيار المتواصل في الخدمات يحتاج إلى وضع الحلول العاجلة لإنهاء الانقسام المؤسسي، وتوحيد السلطات التشريعية والتنفيذية عبر الانتخابات، لم يعد ثمة متسع من الوقت للتعطيل والتسويف، والخيارات باتت محدودة للوصول لها عبر قاعدة دستورية متينة، وتوفر توصيات الحوار المهيكل خارطة طريق للحوكمة ولإصلاح كافة القطاعات لكل سلطة تنفيذية مقبلة.

 يبقى التقدم على مسار حل الأزمة رهن الإرادة السياسية لدى سلطات الأمر الواقع بالتخلي عن المكاسب الضيقة وإنقاذ البلاد بإعادة الشرعية للشعب ليختار سلطاته، قبل أن تلتهم أزمات البنية التحتية والوقود ما تبقى من استقرار هش ومؤقت.

_____________

مقالات مشابهة