علي جبريل

ليبيا هذه الرقعة الممتدة في المكان والزمان، ماذا كان دورها في رواية (ملحمة) الحضارة في الماضي؟ وما هو دورها المتوقع في القادم من فصول هذه الرواية؟
حقائق الجغرافيا – من موقع وتضاريس ومناخ – لها كلمتها الصارمة في رسم ملامح هذه الأدوار، وأي محاولة للقفز على هذه الحقائق أو تجاهلها، أو تجربة أدوار تتعارض معها، إنما هي عبث وإهدار للوقت والمقدرات.
موقع ليبيا وتضاريسها تحكمت في طبيعة المناخ المتميز بقلة الأمطار وشح المياه، فكانت أقل جذبا لاستقرار السكان، مقارنة بحوض النيل شرقا وبقية إقليم شمال أفريقيا غربا. وحددت نوعية نشاط سكانها لتدبير معاشهم (الاقتصاد)، والنظام السائد في إدارة وتصريف بقية أوجه الحياة (السياسة والاجتماع).
ومعروف أن قلة عدد السكان في أي دولة تُحجّم مساهمتها الحضارية في محيطها، بسبب قلة الأيدي العاملة والمقاتلة، ناهيك عن ندرة النخب التجارية والثقافية والفكرية المتميزة التي تقود المجتمع والدولة.
لكن ليبيا ليست جزيرة نائية أو بلدا منزويا في طرف قارة، أو دولة “محصورة” تحيط بها دولا أخرى من كل جانب وليس لها منفذ على بقية العالم. بل هي تتوسط بموقعها في شمال القارة الأفريقية فتربط أقصى شرقه (مصر) وأقصى غربه (بلاد المغرب)، وتشرف على البحر الأبيض المتوسط بساحل طويل يواجه دول جنوب القارة الأوربية من تركيا واليونان إلى إيطاليا، وتتعمق باتساع قاري جنوبا في الصحراء الكبرى فتحد دول أفريقيا الصحراوية التي بدورها تتصل بوسط القارة السمراء.
هذه العوامل جعلت من ليبيا – منذ القدم – معبرا متميزا لانتقال الإنسان والسلع ،هجرة وتجارة وغزوا، وانتقال الأفكار والثقافات أيضا. هذا المعبر تميز بانبساطه السهل للعبور والانتقال من الشرق ألى الغرب وبالعكس ومن الشمال إلى الجنوب. فتواصلت مصر تجاريا وثقافيا عبر ليبيا مع بقية مراكز الإشعاع الحضاري في شمال أفريقيا والأندلس، وتواصلت أوروبا وأفريقيا بتجارة القوافل التي زودت أوروبا بخيرات أفريقيا، ووصول منتجات الأوربيين المادية والثقافية إلى دول الصحراء الأفريقية.
بكلمة كانت ليبيا جسرا يعمل بكفاءة عبر اتجاهات المكان وفصول الزمان الأربعة. هكذا ساهمت ليبيا بلعب دورها – ألمتماهي مع حقائق جغرافيتها وطبيعة إنسانها – بكفاءة وجدارة في مسيرة الحضارة الإنسانية.
إذًا اقتنعنا – بتواضع – بتميز هذا الدور (الجسر) الذي لعبته بلادنا، وبأنه الدور الطبيعي والمناسب لها، فيمكن أن نفكر في استراتيجيات التنمية ونرسم خطط المستقبل انطلاقا من تصورنا لبلادنا بأنها جسر متميز لانتقال الإنسان ومنتجاته وأفكاره، برا وبحرا وجوا، بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.
بلغة الهندسة.. هذا الجسر كي يقوم بوظيفته على أكمل وجه، يجب أن يكون مناسبا لحجم حركة الانتقال الحالية والمستقبلية، أي أن تكون البنى التحتية المادية مناسبة لتحمل واستيعاب هذه الحركة (طرق وموانئ ومطارات وتجمعات سكانية ومحطات توليد ونقل الطاقة)، وان تكون البنية التشريعية والإدارية متماهية مع متطلبات تسهيل هذه الحركة.
والجسر يجب أن يكون مستقرا ثابت الأساسات، مترابط الأعضاء ومتماسك الأركان، أي أن يكون نظامه السياسي والاجتماعي مستقراً ومحصناً ضد التقلبات والهزّات، مما يعني توفير أقصى حدود الأمن والسلم المجتمعي. ويحتاج الجسر إلى دعائم لتأمين أطرافه ونقاط اتصاله بالخارج، أي الحرص على العلاقات الجيدة والمستقرة مع دول المحيط.
كذلك – وهذا مهم – أن يحرص المجتمع. والدولة معا على الصيانة المستمرة للجسم وتطوير وتجديد بنيته المادية وأنظمته التشريعية والإدارية.
ليبيا كمشروع جسر.. مكونة من الوطن بجغرافيته ومقدراته ومن المواطن بثقافته وسلوكه ونشاطه. فلن يقوم الجسر بوظيفته حتى يعي المواطن بدوره في بناء ودعم هذا الجسر والمحافظة عليه، وهذا يتطلب إعداد استراتيجيات ترسم برامج التعليم والتأهيل والتثقيف لتكون مخرجاتها تصب في صالح استمرار أداء هذا الجسر لوظيفته المأمولة والمحافظة عليه.
حاول العقيد القذافي طوال عقود أن يجعل ليبيا تلعب دور الدولة القاطرة التي تقود الدول العربية تارة، وتارة دول المغرب العربي، ودول القارة الأفريقية تارة أخرى.
قد لا تتفق هذه الرؤية مع النظرة السائدة إلى دور ليبيا الأساس كبلد مصدر للطاقة ( الغاز والنفط) بالدرجة الأولى، وبقية الأدوار ثانوية – إن كانت أصلا في الاعتبار. انعكست هذه النظرة سلبا على الاهتمام بدور ليبيا “الجسر” والعناية به، مثلا نجد انه بعد اكتشاف النفط وبداية تصديره تم إلغاء خدمات السكك الحديدية التي كانت قائمة في البلاد منذ مطلع القرن العشرين، وأصبحت ليبيا البلد الوحيد الذي ليس به خطوط للسكك الحديدية في شمال أفريقيا الممتد من قناة السويس إلى المحيط الأطلسي، رغم أنها جغرافيا تعتبر أطول حلقة وصل في هذه الإقليم الشاسع.
علينا أن نتذكر أن موارد الطاقة ليست دائمة ولا تقارن بديمومة حقائق الجغرافيا .. والحكمة تقتضي أن تستغل الموارد المؤقتة لخدمة الأدوار والمصالح الاستراتيجية الدائمة بدوام الجغرافيا، وليس العكس.
***
علي فرج جبريل ـ باحث في مجال مصادر المياه . جامعة مونتانا – الولايات المتحدة الأمريكية
__________________