السنوسي بسيكري
سجل الدينار الليبي مستويات جديدة من التراجع أمام العملات الأجنبية، خاصة الدولار، خلال شهري اغسطس وسبتمبر، بنحو 11%، وصار معلوما أن الدينار يفقد مزيدا من قيمته أمام الدولار بشكل مضطرد كل بضعه أشهر تقريبا، ليثبت عند مستوى متدني فتعجز سياسات وإجراءات تقويته وتخفق في زحزحت العملات الأجنبية عن المستوى الذي وصلت إليه.
الدولار يبلغ اليوم نحو 9.6 دينار، والمؤشرات الأولية تؤكد أنه في اتجاهه إلى بلوغ سقف 10 دينارات، ربما قبل نهاية العام الجاري، وارتفاع قيمته أمام الدولار، إذا وقعت، ستكون مؤقتة، لتدفعه العوامل المحركة إلى التراجع مرة أخرى ثم الثبات لفترة عند المستوى الجديد، وهكذا دواليك، حتى أنه يصعب التكهن بالسقف الذي يمكن أن يصل إليه الدولار بفعل العوامل التي تدفع الدينار إلى مزيد من التراجع.
الدولار “قابل علينا جميل” نحن الليبيون بعدم تغوله على الدينار وارتفاعه بشكل فلكي، فالدولار يعادل ما يزيد عن 13 ألف ليرة سورية، وإن برر تراجع الليرة السورية بعدم توفر موارد طبيعية كالنفط، فإن العراق الغني جدا بالبترول، والذي ينتج ويصدر نحو ضعفي أو ثلاث أضعاف الإنتاج الليبي من الخام الأسود، تبلغ قيمة عملته المحلية نحو 1600 دينار عراقي للدولار.
كل العوامل التي أطاحت بالعملة المحلية في سوريا والعراق متوفرة وبدرجة مقاربة في الحالة الليبية، فالوضع السياسي والأمني متدهوران، والهدر والفساد يضربان أطنابهم في الغرب والشرق، حيث السلطات النافذة في البلاد، والإجراءات النقدية لاحتواء العملة المحلية قاصرة وباتت عاجزة عن تلافي الوضع، لذا فإن نؤكد أن الدولار “قابل علينا جميل” في ليبيا.
الوضع السياسي المأزوم جدا يمثل محركا أساسيا لتراجع الدينار وزيادة قيمة العملات الأجنبية، ذلك أن الفوضى السياسية توجد مناخا ملوثا يلقي بظلاله على الوضع الاقتصادي، وعلى أهم مظهر من مظاهر استقراره، وهو العملة المحلية.
الصراع المحتدم يدور حول الثروة الوطنية، فهو من جهة يسهم في مضاعفة الإنفاق العام والهدر في ثروات البلاد، ومن جهة أخرى يفسح المجال واسعا لتفشي الفساد ونهب المال العام، وبشكل مخيف، وتشير تقارير خبراء الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والمحلية المختصة، أن نقاط نهب إيرادات النفط عديدة تبدأ من المنبع، وتمر بالوساطات المالية وتصل إلى قنوات الإنفاق المحلية.
الجهة المعنية بالاستقرار النقدي، وضبط قيمة الدينار أمام العملات الصعبة، وهي المصرف المركزي الليبي، باتت شبه عاجزة أمام وقف التراجع المستمر في الدينار أمام الدولار، فمع البداية الواعدة للمصرف عقب استلام المحافظ الحالي مهامه في الربع الأخير من العام 2024م، وظهور مؤشرات على إمكان نجاح خطة الاستقرار النقدي وإنقاذ الدينار الليبي، عادت العوامل التي تعمل على تقويض الاستقرار وإنهاك الدينار للفعل من جديد، فباتت سياسات المصرف وإجراءاته لاحقا عونا على إضعاف الدينار وليس العكس.
محافظ المركزي الليبي، ناجي عيسى، وكما هو موقف سلفه، الصديق الكبير، بات يحمل المسؤولية لفشل خطة الاستقرار النقدي للحكومات، المعترف بها دوليا في الغرب والموازية في الشرق، وحاول ممارسة ضغوط عليهما، فأعلن استقالته عن منصبه، إلى إنه تراجع عن ذلك بسبب وعود من الداخل ومن الخارج بإمكان تصحيح الوضع، ويبدو أنهم يأملون في أن تحقق خطة وبولس وخارطة طريق البعثة ما عجزت المبادرات والمقاربات السابقة عن تحقيقه.
سيكون الليبييون ممنونون إذا استمر الدولار في التكرم علينا بارتفاعه ببطئ وتسجيل زيادات محدودة كل بضعة أشهر، ذلك أن المشهد السياسي والأمني يتجه إلى مزيد من التعقيد، حتى مع استبشار كثيرين بالاتفاق الذي أعلنت عنه لجنة 4+4، التي تضم ممثلين عن سلطات غرب وشرق البلاد.
فالاتفاق في حاله تمريره لا يعني وقف الهدر والفساد، بل سيزيد منهما، وفي حال إخفاق الاتفاق، فإن الأوضاع ستصبح مرشحة إلى اندلاع حرب، وإذا نجحت الأطراف الدولية في منعها، فإنها لن تفلح في وقف التادفع لأجل الاستحواذ على أكبر حصة من الموارد، وفي كل الأحوال، فإن النتيجة هي مزيد من التردي الاقتصادي، ومزيد من التراجع في قيمة الدينار الليبي.
خلاصة القول، أنه لا أمل في تحقيق درجة مقبولة من الاستقرار النقدي والساسة المتحكمون في القرار مصابون بمرض السلطة ومهووسون بمراكمة الأموال، وأن أي مساعي لتفعيل أدوات السياسة النقدية وابتكار إجراءات لوقف ارتفاع الدولار ستكون بمثابة المسكنات التي تعطي أثرا محدودا وقصير الأجل جدا، ليعود المرض فيستفحل ويحتل مساحات أكبر من جسد الاقتصاد، والمعالجة تكون بإنهاء الصراع وفرض نظام يوقف الهدر والفساد، وتبني استراتيجية نهوض شاملة وخطة لانقاذ الاقتصاد وتعافي الدينار.
___________
