سمير الخالدي

منذ استقلال معظم الدول العربية في منتصف القرن العشرين، ارتبط سؤال الديمقراطية بإشكالية مركزية هي موقع المؤسسة العسكرية في السلطة.

فبينما نجحت دول عديدة في أميركا اللاتينية وجنوب أوروبا في إخضاع جيوشها للقرار المدني بعد فترات حكم عسكري، تعثرت التجربة العربية مراراً، سواء في مراحل ما بعد الاستقلال أو بعد ثورات الربيع العربي.

ويطرح هذا التعثر سؤالاً جوهرياً: هل يمكن بناء نظام ديمقراطي من دون التوافقمع الجيش؟

بعد الاستقلال، ورثت الدول العربية مؤسسات مدنية ضعيفة ونخباً سياسية منقسمة، في مقابل جيوش حديثة التكوين نسبياً، منظمة وممولة، وغالباً ما لعبت دوراً في حركات التحرر الوطني.

وفي هذا السياق، برزت المؤسسة العسكرية بوصفها الفاعل القادر على ملء الفراغ السياسي.

وقد قُدِّمت انقلابات الخمسينيات والستينيات في مصر وسورية والعراق والجزائر آنذاك كمشاريع لبناء الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية والتحرر من النفوذ الأجنبي.

غير أن المسار اللاحق كشف أن الحكم العسكري لم يكن مرحلة عابرة، بل تحولاً بنيوياً أفرز أنظمة سلطوية طويلة الأمد، جرى خلالها تهميش الحياة السياسية، وإضعاف الأحزاب، وربط الاقتصاد بالولاء السياسي والأمني.

ولا يبتعد هذا المسار كثيراً عما وثقته أدبيات العلاقات المدنية ـ العسكرية في الغرب. فقد أشار المفكر السياسي الأميركي صمويل هنتنغتون، في دراسته الجندي والدولة، إلى أن الديمقراطية المستقرة تقوم على إخضاع الجيش للسلطة المدنية المنتخبة، لا إشراكه في الحكم. وعندما تُمنح المؤسسة العسكرية دوراً سياسياً، فإنها تميل، بحكم بنيتها الهرمية، إلى مركزة السلطة لا توزيعها.

في العالم العربي، لم يُختبر هذا المبدأ بجدية. فحتى حين وُجدت مؤسسات مدنية شكلية، ظلت الجيوش والأجهزة الأمنية صاحبة القرار النهائي، وهو ما يفسر استمرار أنماط الحكم السلطوي رغم اختلاف الشعارات الأيديولوجية، من القومية إلى الاشتراكية.

ومع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، عاد النقاش حول العلاقة مع المؤسسة العسكرية بقوة.

ففي تونس، حافظ الجيش على مسافة من الصراع السياسي، ما أتاح إطلاق مسار انتقالي مدني، رغم ما شابه من أزمات لاحقة. وقد ربط باحثون هذا المسار بطبيعة الجيش التونسي، الذي ظل تاريخياً محدود الدور السياسي والاقتصادي مقارنة بجيوش عربية أخرى.

في المقابل، شهدت مصر مساراً مغايراً. فبعد سقوط نظام حسني مبارك، دخلت قوى سياسية مدنية في ترتيبات انتقالية مع المؤسسة العسكرية، انطلاقاً من افتراض أن الجيش يمكن أن يكون ضامناً للمرحلة الجديدة.

غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن المؤسسة العسكرية احتفظت بموقعها كفاعل سياسي مستقل، يمتلك نفوذاً اقتصادياً وأمنياً واسعاً، ما أدى في النهاية إلى إنهاء التجربة الانتقالية وعودة الحكم العسكري بصورة أكثر تركيزاً.

أما التجربة السودانية، فتقدم بدورها درساً بالغ الدلالة. ففي عام 1985، شهد السودان انتقالاً نادراً للسلطة من الجيش إلى المدنيين بعد فترة انتقالية قصيرة، حين أوفى المشير عبد الرحمن سوار الذهب بتعهده بالانسحاب من الحكم.

غير أن هذا السلوك ظل استثناء فردياً، ولم يتحول إلى قاعدة داخل المؤسسة العسكرية. وبعد سقوط نظام عمر البشير في 2019، دخل المدنيون في شراكة مع العسكر لإدارة المرحلة الانتقالية، لكنها انتهت بانقلاب ثم بصراع مسلح دمّر ما تبقى من الدولة، مؤكداً هشاشة الرهان على التوافقغير المؤسسي مع العسكر.

وفي ليبيا واليمن وسورية، كشفت الثورات عن إشكالية أعمق، تتمثل في غياب جيش وطني موحد أصلاً. ففي هذه الحالات، كانت المؤسسة العسكرية جزءاً عضوياً من النظام الحاكم، ما أدى إلى تفككها عند اندلاع الاحتجاجات، وانزلاق الدول إلى نزاعات مسلحة متعددة الأطراف.

ويتقاطع ذلك مع تحليلات أكاديمية معاصرة ترى أن الانتقال الديمقراطي يفترض وجود احتكار شرعي ومنضبط للعنف، يخضع لسلطة مدنية واضحة.

وتؤكد تجارب ما بعد الربيع العربي، عند مقارنتها بتجارب دول أخرى، خلاصة أساسية مفادها أن التوافق مع المؤسسة العسكرية لا يقود إلى الديمقراطية إلا إذا كان قائماً على خضوع الجيش الصريح للدستور والقانون والرقابة المدنية.

أما حين يتحول التوافق إلى تقاسم سلطة أو منح امتيازات للعسكر، فإنه يصبح أداة لتأجيل الصراع وإعادة إنتاج السلطوية.

وتشير دراسات التحول الديمقراطي، ومنها أعمال خوان لينز وألفريد ستيبان، إلى أن أي انتقال لا يكتمل إذا احتفظت المؤسسة العسكرية بحق التدخل في السياسة أو بامتيازات تجعلها فوق المساءلة. ولم تشكّل الحالة العربية استثناءً من هذه القاعدة، بل أكدت التجربة صحتها بأثمان بشرية وسياسية باهظة.

في المحصلة، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان يمكن بناء ديمقراطية من دون التوافق مع المؤسسة العسكرية، بل ما إذا كان يمكن بناء دولة مدنية من دون إعادة تعريف موقع الجيش داخلها.

فالديمقراطية لا تقوم على إقصاء الجيوش، لكنها لا تنجح أيضاً حين تُدار السياسة بمنطق السلاحوبين هذين الحدّين، لا يزال العالم العربي يواجه تحدياً مؤجلاً: كيف تُخضع القوة للقانون، لا القانون للقوة.

___________

مقالات مشابهة