علي العسبلي
في ليبيا نعرف الشرق والغرب جيّدًا. نعرفهما كاتجاهين جغرافيين، ونعرفهما أكثر كتوازن قوى، كخطّ تماس، وكخرائط نفوذ فرضت نفسها. لكن حين نسأل: أين اليسار؟ وأين اليمين؟ يتلعثم السؤال قبل أن يصل إلى حافة الإجابة.
في الفولكلور الشعبي الليبي يقولون عن الجاهل إنّه “ما يعرف يساره من يمينه“، أو في رواية أخرى “ما يعرف كوعه من بوعه“.
المثل هنا ساخر، لكنه أصدق ممّا يبدو. فنحن بالفعل نخلط بين اليسار واليمين، لا لأنّ المصطلحين مُعقّدان، بل لأنهما ببساطة غير موجودين في واقعنا السياسي.
تاريخيًا، وُلد اليمين واليسار من ترتيب جلوس بسيط في الجمعية الوطنية الفرنسية زمن الثورة. أنصار التغيير والمساواة جلسوا يسار رئيس الجلسة، وأنصار الملك والنظام القائم جلسوا يمينه. مع الوقت تحوّل المكان إلى موقف، وتحوّل الجلوس إلى انحياز سياسي.
اليسار صار مرادفًا للتغيير والعدالة الاجتماعية، واليمين صار عنوانًا للمحافظة والدفاع عمّا هو قائم.
في ليبيا، الأمر مختلف. لم تتشكّل لدينا تقاليد سياسية، ولا اصطفافات أيديولوجية مستقرّة. لا يسار بالمعنى الاجتماعي، ولا يمين بالمعنى الاقتصادي. لا اشتراكيين ولا رأسماليين.
الموجود شيء آخر، مسخ سياسي من تحالفات ظرفية بين المال ورجال الأعمال، مع الدّين حينًا، ومع العسكر والقبيلة أو الجهة حينًا آخر. تحالفات بلا أفكار ولا توجّهات، ولا برامج، تنشأ مع المصالح الضيّقة وتنهار بانتهائها.
المفارقة أنّ هذا لم يكن الحال دائمًا. في الماضي القريب، داخل ليبيا وخارجها، وُجِدت عشرات الحركات والتنظيمات المُعارضة للنظام السابق، التي تبنّت أُطروحات يسارية، متأثّرة بروح زمنها، كذلك وُجدت تنظيمات إسلامية وليبرالية وغيرها. وكان هناك صراع فكري وأيديولوجي، حتى لو كان مُحاصرًا ومقموعًا. السؤال هو:
لماذا اختفى كلّ ذلك اليوم؟
ولماذا لم نعد نراه في الداخل ولا في الخارج أيضًا؟
حتى تلك الأجسام والحركات “الفقاعية” التي تظهر فجأة، ثم تتفرقع وتختفي، لا تحمل أيّ توجّه سياسي واضح أو مُعلن، وتمضغ الشعارات المُستهلكة نفسها عن الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة، من دون مضمون حقيقي، ومن دون ارتباط بقضايا الناس.
شعارات مسطّحة لم تعد تعني شيئًا للطبقة الكادحة، ولا تحرّك في وجدانها ساكنًا.
جرّب أن تسأل شابًا اليوم عن توجّهه السياسي. غالبًا لن يفهم السؤال أصلًا، وإن فهمه، سيجيب بإجابات فضفاضة: أنا مع الجيش. أنا مع الإسلام. أنا مع ليبيا. أنا مع معمّر.
نحن نعيش حالة فقر حاد في الثقافة السياسية. هناك تصحّر حقيقي في الإلمام بأبسط المفاهيم. الجيل الجديد، جيل زد كما يسمّونه، لا يبدو كارهًا للسياسة بقدر ما هو مُنفصل عنها.
جيل مشغول بالنجاة الفردية، وبالتِّرند، وبتتبّع الموضة. السياسة بالنسبة إليه ضجيج لا يغيّر شيئًا، ومخاطرة بلا مقابل، ومصطلحات غير جذابة.
لسنوات طويلة في زمن “الجماهيرية“، دُرّست لنا في المدارس والجامعات مادة “الفكر الجماهيري“. مادة كان يُفترض أن تكون مدخلًا إلى السياسة، لكنها كانت في الواقع تلقينًا للنظام الجماهيري “البديع” ونظريته العالمية الثالثة التي “تقارع” الشيوعية والرأسمالية.
قُدّمت غالبًا في قالب هزلي، بلا جدية، بلا رسوب أو نجاح. لكن رغم كلّ شيء، كانت على الأقل نافذة صغيرة، لا على السياسة كما يجب أن تكون، بل على فكرة أنّ هناك شيئًا اسمه سياسة، وأنّ العالم لا يُدار بالعشوائية.
اليوم، حتى هذا الحد الأدنى غير موجود. حين تتحدّث عن الثورة، يقفز الجميع وكأنّهم سمعوا سبًا أو شتمًا. وحين تذكُر كلمة مظاهرة فينفر من حولك.
حين تتحدّث عن مقاومة الظلم، يردون عليك بسخرية: هل تريد تغيير الوضع أنت؟
حين تتحدّث عن الوقوف مع المظلومين، يقولون: وقّف مع نفسك أولًا.
وحين تتحدّث عن العدالة، ينهون النقاش بجملة باردة: لا توجد عدالة في هذا العالم.
جيلنا، والجيل الذي تلاه، في غالبيته غير مُسيّس، إلا قلّة قليلة اشتغلت على نفسها، قرأت، واحتكّت، ودفعت ولا تزال تدفع ثمن ذلك. ولهذا، لا يبدو أنّ ليبيا تتجه نحو أيّ حراك سياسي حقيقي في المستقبل القريب.
ما سنراه، وفي أفضل الأحوال، اصطفاف نُخبوي محدود، تقوده فئة معزولة، تتحدّث من أعلى الأبراج العاجية، بلغة تنظيرية، بعيدة عن هموم الناس وحاجاتهم اليومية.
____________
