الحبيب الأسود
يدرك المتنافسون أن من يضع يده على فزان فقد فاز بالجائزة الكبرى وأن الحرب عليها امتداد لصراع الإرادات بين القوى الدولية في الساحل والصحراء.
في جنوب غرب ليبيا استمرت محاولات التفجير من الداخل التي تنفذها جماعات مسلحة مناوئة للماريشال خليفة حفتر وقواته، بدعم مباشر من أطراف فاعلة في طرابلس.
الموضوع لا يتعلق بعملية معبر التوم الحدودي مع النيجر أواخر يناير الماضي، ولا بإعلان الجيش تمكنه قبل يومين من تحرير عدد من جنوده المختطفين فحسب، بل بوجود مخطط لإشعال حرب طاحنة في جنوب البلاد، على غرار الحروب التي طالما ضربت دول الساحل والصحراء، سواء لأسباب سياسية أو لأهداف انفصالية.
لاسيما أن غرفة عمليات تحرير الجنوب، بقيادة محمد وردقو، حصلت على كميات مهمة من السلاح والذخيرة، منها مسيّرات أوكرانية، بما يعني وجود مخطط جدي جرى إعداده خصيصًا لتمزيق أوصال قوات حفتر ومحاصرة نفوذه في فزان، وفسح المجال أمام مختلف الاحتمالات المتاحة لتحقيق تلك الأهداف، ومن ذلك استقطاب مقاتلين من دول الجوار، وخاصة ممن ينتمون إلى التبو الذين يتحدر منهم وردقو، ويؤكد أنه يدافع بشراسة عن حقوقهم.
في آخر تصريحاته، زعم وردقو أن قواته سيطرت على المناطق الحدودية بين ليبيا والنيجر بالكامل، وأن قوات حفتر تراجعت إلى مدينة مرزق. الأمر ينذر بعاصفة حقيقية قد تهب في أي وقت، لتدخل فزان في دوامة صراع لن تنتهي بسهولة.
الأسباب عديدة، منها انفتاح الإقليم على جغرافيا سياسية واجتماعية معقدة ومتشعبة، سواء في دول الساحل والصحراء أو في دول ما وراء الصحراء، وتوفّر السلاح بكميات كبيرة من وراء تجارة التهريب المنظّم، الذي تتزعمه شبكات مرتبطة بدول تتصارع لتأمين مصالحها، كتوفّر المستعدين للقتال، سواء كمرتزقة أو كحالمين بالعيش في ليبيا، أو كباحثين عن مساحات نفوذ في بلد مساحته شاسعة وثرواته طائلة وسكّانه قلّة.
لا شك أن وردقو أراد أن يستميل فئات مهمة من عموم الليبيين عندما قال “لسنا عصابات، بل أبناء الجنوب وقبائله التي ضاقت ذرعًا بدكتاتورية حفتر ونهبه مليارات من الجنوب”.
كما كان يحاول إقناع بقية مكونات فزان من العرب والطوارق بأنه لا يتحرك بخلفية إثنية أو مصالح أسرية وقبلية، وإنما ينطلق من رؤية سياسية أساسها معارضة مشروع الماريشال حفتر في الإقليم الجنوبي، ورفض سيطرته على منابع الثروة، وتحويل فزان إلى جغرافيا ملحقة ببرقة، بما يتناقض مع أي قراءة موضوعية للتاريخ، حيث كانت فزان إقليمًا مستقلاً عن برقة، وأقرب إلى طرابلس بالرغم من استقلاله عنها.
تبلغ مساحة إقليم فزان الحالي 551.170 كم²، ولا يتجاوز عدد سكانه 500 ألف نسمة، أغلبهم من العرب من أبناء القبائل كأولاد سليمان، والحساونة، والزوية، والقذاذفة، والمقارحة، إضافة إلى عرقيتي التبو والطوارق، اللتين تتميزان بإمداداتهما في دول الجوار الأفريقي.
فالتبو هم جزء من إثنية تنتشر كذلك في تشاد والنيجر والسودان، والطوارق هم أمازيغ الصحراء ممن يستوطنون الصحراء الكبرى، في جنوب الجزائر، وأزواد شمال مالي، وشمال النيجر، وشمال بوركينا فاسو.
يدرك المتنافسون أن من يضع يده على فزان فقد فاز بالجائزة الكبرى، وأن الحرب على الإقليم يمكن أن تكون الوجه الثاني لحرب السودان، وامتدادًا لصراع الإرادات من أجل بسط النفوذ على دول الساحل، وخاصة بين فرنسا المغادرة، وروسيا القادمة، والصين العاملة في صمت، والولايات المتحدة المنتبهة لضرورة التحرك.
عندما سيطرت قوات حفتر على الجنوب في أوائل العام 2019، كانت تعلن عن أهم تحول ميداني بعد القضاء على الجماعات الإرهابية في بنغازي ودرنة، وعن إمساك الماريشال بورقة استثنائية في أي حوار أو مفاوضات مع الأوروبيين، وهو الذي بات يمتلك مفاتيح بوابة الصحراء الكبرى، التي طالما شهدت تدفق موجات المهاجرين غير الشرعيين، وتسلل الإرهابيين في اتجاه الضفة الجنوبية للمتوسط.
في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي قال ياقوت الحموي في كتابه “معجم البلدان”: “فَزانُ: بفتح أوله وتشديد ثانيه وآخره نون، ولاية واسعة بين الفيوم وطرابلس الغرب، وهي في الإقليم الأول، وعرضه إحدى وعشرون درجة.
قيل: سُمّيت بفَزان بن حام بن نوح. بها نخل كثير وتمر كثير، ومدينتها زَويلة السُودان، والغالب على ألوان أهلها السواد…” في إشارة إلى الجذور الأفريقية لأغلب السكان الذين كانوا يقطنون بالمنطقة آنذاك.
وقال ابن خلدون (1332 – 1406 ميلادي) في كتابه “العبر”: “ثم فزان وودان قبلة طرابلس، قصور متعددة ذات نخل وأنهار، وهي أول ما افتتح المسلمون من أرض أفريقية لما أغزاها عمر بن الخطاب عمرو بن العاص، ثم الواحات قبلة برقة ذكرها المسعودي في كتابه، وما وراء هذه كلها في جهة الجنوب فقفار ورمال لا تنبت زرعًا ولا مرعى، إلى أن تنتهي إلى العرق الذي ذكرناه، ومن ورائه مجالات المتلثمين كما قلناه، مفاوز معطشة إلى بلاد السودان”.
القفار والرمال التي تحدث عنها ابن خلدون، تخفي وراءها ثروات طائلة من النفط والغاز والماء العذب الزلال، ومن المعادن النادرة الصالحة لأدق الصناعات، والطاقات المتجددة، ويكشفون من وراء الأفق عن عالم فريد من آثار الإنسان الأول وتجليات الطبيعة، من خلال ظواهر لا توجد في أي مكان آخر من العالم.
خلال القرنين 13 و14 ميلادي، كانت فزان جزءًا من إمبراطورية “كانم”، التي كانت تمتد على مساحة تشمل، وفق التقسيم الجغرافي الحالي، دول تشاد ونيجيريا وشرق النيجر وشمال شرق نيجيريا وشمال الكاميرون.
وفي العام 1550 تشكلت دولة أولاد امحمّد، نسبة إلى مؤسسها الشيخ امحمد الفاسي، وهو ينتمي إلى الأسرة الإدريسية بالمغرب الأقصى، واتخذت من مدينة مرزق عاصمة لها، واستمر حكمها حتى العام 1813، عندما سيطر عليها العثمانيون القادمون من الشمال بعد حروب عدة.
في العام 1911 احتلت فزان من قبل إيطاليا، إلا أن سيطرتها على المنطقة لم تكن مستقرة حتى العام 1923، حين صعدت الفاشية إلى الحكم في إيطاليا، وتعرض الغزاة لمقاومة شرسة قادتها القبائل والقوات التابعة للحركة السنوسية الصوفية.
وخلال الحرب العالمية الثانية قامت قوات فرنسا الحرة بطرد القوات الإيطالية واحتلال مرزق في 16 كانون الثاني – يناير 1943، وظلت المنطقة تحت السيطرة العسكرية الفرنسية حتى 1951، عندما أصبحت ولاية فزان بعد ذلك جزءًا من المملكة الليبية المتحدة، بعد استفتاء أجراه أبناء فزان، وعلى إثره أعلن الملك إدريس السنوسي المملكة الليبية المتحدة كنظام فيدرالي في 24 كانون الأول – ديسمبر 1951.
ومنذ ذلك التاريخ، تولت أسرة سيف النصر حكم الإقليم، فتحول مركز العاصمة من مرزق إلى سبها، واستمر الوضع إلى العام 1963، عندما تم إلغاء النظام الفيدرالي.
تحوّلت فزان في السنوات الماضية إلى تحدّ جنوبي لأوروبا، باعتباره معبرًا رئيسيًا للاتجار بالبشر والتهريب من دول الصحراء إلى مناطق الساحل الغربي لليبيا، قبل الدفع بهم إلى قوارب الموت لنقلهم إلى الضفة الشمالية للمتوسط، إضافة إلى تحرك الإرهابيين عبر الصحراء، وخاصة من تنظيمات داعش والقاعدة وبوكو حرام.
اليوم، تبدو تحركات غامضة تشي بمحاولات لبث الفوضى في إقليم فزان، عبر حرب لا تخفى عن المراقبين ملامح العاملين على إشعالها.
يمكن الانتباه إلى دافع أساسي من وراء كل الدوافع المعلنة، وهو تحديد نفوذ الماريشال في إقليم برقة، استعدادًا لمرحلة التقسيم بالعودة إلى خارطة المملكة المتحدة، مع اعتقاد أصحاب القرار في طرابلس أنهم أولى بالإقليم الجنوبي من حفتر وجماعته.
__________
