خالد محمود
هذا الشهر، أطلقت الولايات المتحدة مناوراتها العسكرية السنوية “فلينتلوك” في ليبيا للمرة الأولى.
وبالنسبة لواشنطن، تمثل هذه التدريبات متعددة الجنسيات فرصة للحد من النفوذ الصيني والروسي في البلاد، و“خطوة مهمة إلى الأمام نحو التكامل العسكري في ليبيا“، التي انقسمت بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب طوال العقد الماضي.
المشير خليفة حفتر، الرجل المسيطر في شرق ليبيا والعميل السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، يأمل في استغلال هذه اللحظة لترسيخ قبضته على السلطة. وقد أصبح خلال العقد الماضي أحد أبرز الشخصيات في السياسة الليبية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى سيطرته على البنية التحتية العسكرية وقطاع الطاقة في أنحاء البلاد.
لكن مع تقدمه في السن وبلوغه الثانية والثمانين، تراجع إلى دور صانع الملوك من خلف الستار، ممهّدًا الطريق لأبنائه لمواصلة إرثه وترسيخ سيطرة العائلة على ليبيا. وإذا نجح، فقد يعيد إنتاج تجربة سلفه وخصمه، العقيد الراحل معمر القذافي، الذي حكم البلاد لأكثر من أربعين عامًا قبل الإطاحة به وقتله عام 2011.
فلينتلوك 2026
في وقت سابق من هذا الشهر، أقنع مسعد بولس، المستشار الكبير للرئيس دونالد ترامب لشؤون العرب والشرق الأوسط، الليبيين بوضع حد مؤقت لتنافسهم الشرقي–الغربي عبر اتفاق على الإنفاق الموحد بين الحكومتين المتنافستين: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والحكومة الموازية للاستقرار الوطني بقيادة أسامة حماد والمدعومة من حفتر.
مناورات “فلينتلوك 2026″، التي يرعاها “أفريكوم” ويشارك فيها نحو 1500 جندي من 30 دولة، تجمع للمرة الأولى قوات من شرق ليبيا وغربها. وقد وضع بولس هذه المناورات في صلب العملية السياسية، واصفًا إياها بأنها فرصة لـ“رفع مستوى احترافية الضباط الليبيين“.
عمليًا، يمثل ذلك مباركة أمريكية لترسيخ الدور المهيمن لحفتر في السياسة الليبية، ورفع مكانة عائلته من أمراء حرب إلى شركاء أمنيين دوليين. فقد جلس صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائبه، إلى جانب الفريق جون برينان، نائب قائد أفريكوم، خلال المناورات.
كثير من الليبيين يشككون في جدوى هذه المبادرات، ويرونها مجرد مسكن مؤقت، ودليلًا على أن الجهود الأمريكية ليست حلًا للأزمة بل مجرد وسيلة لإدارتها. فبينما منح توحيد الميزانية العامة هدنة مؤقتة، فإنه لم يعالج الأسباب الجذرية للصراع على السلطة.
ويبدو أن عبء التاريخ لا يزال يحكم نظرة واشنطن إلى ليبيا. فبعد عبارة “إلى شواطئ طرابلس” التي تتردد في نشيد مشاة البحرية الأمريكية، عادت القوات الأمريكية مرة أخرى إلى خليج سرت.
سرت: “خط الموت” سابقًا
سرت، التي قصفتها إدارة ريغان عام 1986 بذريعة تفكيك نظام القذافي، تستقبل اليوم ضباط أفريكوم ليباركوا ميلاد سلالة عسكرية جديدة يقودها أبناء حفتر.
وللمرة الأولى، تبدو ليبيا المضيف الرسمي لهذه العمليات المشتركة. ووصف برينان الخطوة بأنها تجسد “رؤية القادة من الجانبين“. لكن المفارقة تكمن في تحويل سرت من “خط موت” جيوسياسي للنظام الليبي السابق إلى محاولة لإعادة إنتاج نموذج “الرجل القوي” الذي طالما زعمت واشنطن أنها تسعى لتفكيكه.
ويرى وزير الدفاع الليبي السابق محمد البرغثي أن المشهد يحمل تناقضات كثيرة. وقال في مقابلة: “بقدر ما يسرّنا أن نرى الضباط الليبيين يلتقون، يؤلمنا في أعماقنا أن يتم هذا اللقاء على أرضهم وتحت إدارة طرف خارجي، بذريعة توحيد المؤسسة العسكرية.”
وفي الحديث ذاته، شكك البرغثي في مصداقية واشنطن، مذكّرًا بوعود سابقة من وزراء دفاع أمريكيين بتركيب أنظمة مراقبة إلكترونية على الحدود الجنوبية، وتسليم أربع طائرات ليبية تحتجزها الولايات المتحدة منذ انقلاب 1969 الذي أوصل القذافي إلى السلطة.
وأضاف بمرارة: “تلك الطائرات أصبحت اليوم خردة عسكرية بعد عقود تجاوزت عمرها التشغيلي، والوعود الأمريكية لم تتجاوز الكلمات التي لم تُنفذ على الأرض.”
العودة من المنفى
برز حفتر كأحد أهم الفاعلين السياسيين في ليبيا منذ إطلاقه عملية الكرامة عام 2014، وهي هجوم عسكري أطاح بحكومة إسلامية في بنغازي، أكبر مدن شرق ليبيا.
وتحالف حفتر مع مجلس النواب المنتخب في اقتراع وطني عام 2014، والذي أيد لاحقًا حكومة الاستقرار الوطني. وقد ساعدته هذه العلاقة في صعوده العسكري، وجعلته قائدًا للجيش الوطني برتبة مشير، الأولى من نوعها في ليبيا، مكافأةً له على جهوده في “تطهير البلاد من قذارة المتطرفين والإخوان المسلمين“، كما قال لي ذات مرة.
لكن اليوم، وبعد 12 عامًا من صعوده وست سنوات من فشله في السيطرة على طرابلس، اختلط طموح حفتر وعائلته إلى السلطة والثروة ضمن نموذج من السيطرة غير المباشرة.
عسكرة الاقتصاد
لا يقتصر نفوذ حفتر على الشؤون العسكرية؛ بل يعتمد أيضًا على شبكة اقتصادية مرتبطة بالجيش والعائلة، صُممت لتعزيز نفوذه السياسي والعسكري معًا.
كما يستفيد من صادرات غير رسمية عبر شركات مرتبطة بابنه صدام، صدّرت نحو 7.6 مليون برميل نفط بقيمة 600 مليون دولار خارج القنوات الرسمية بين مايو وديسمبر 2024.
وفي عام 2025، بلغ متوسط الإنتاج 1.37 إلى 1.375 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى خلال 12 عامًا، بينما وصلت عائدات النفط إلى نحو 22 مليار دولار، بزيادة 15% عن العام السابق.
ويستخدم حفتر سيطرته للتهديد بإغلاق الحقول النفطية من أجل الحصول على حصة أكبر من الإيرادات أو تنازلات سياسية، إذ تعتمد قوته الاقتصادية بدرجة كبيرة على سيطرته على حوض سرت.
طموح العائلة
تشير دراسات إلى أن قوات حفتر تشكل تحالفًا واسعًا من الجماعات المسلحة المرتبطة أيضًا بمصالح اقتصادية في شرق ليبيا.
وأصبح صدام نائبًا لوالده بعد قيادته وحدات عسكرية تلعب دورًا محوريًا في بنية السلطة وتمارس نفوذًا على الصفقات الاقتصادية المتعلقة بإعادة الإعمار.
وقال قائد كبير في قوات حفتر إن صعود أبناء حفتر يمثل محاولة لتوطيد السلطة بين القيادات العليا والشابة في الجيش. وأضاف ضابط آخر فضّل عدم الكشف عن اسمه أن الوضع يبدو مستقرًا داخل الجيش حاليًا، لكنه قد يتغير سريعًا إذا تراجع نفوذ حفتر بأي شكل.
واتهم تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة صدام، بالشراكة مع إبراهيم الدبيبة (صهر رئيس الوزراء الدبيبة)، بإدارة نظام غير مسبوق من “الفساد المؤسسي” في قطاع الطاقة، عبر استغلال نفوذه لتوفير غطاء سياسي وأمني مكّن شبكات إجرامية من الإفلات الكامل من العقاب.
ويتولى خالد حفتر منصب رئيس أركان الجيش، الذي يضم نحو 90 ألف مقاتل، بميزانية غير رسمية تُقدّر بخمسة مليارات دينار (800 مليون دولار) للرواتب والعمليات، فضلًا عن قيمة الأسلحة وصفقاتها السرية التي تتجاوز ذلك بكثير.
لكن أهم أبناء حفتر هو غير المعلن: الابن الأكبر الصديق، الأكثر شبهًا بوالده شكلًا وطباعًا. فقد تجاوز دور المساعد المخلص ليصبح أمين أسرار والده ووزير خارجيته الفعلي.
وقد قال لي الصديق في حديث خاص بالقاهرة إنه يحلم برئاسة الحكومة. لكنه ينزعج من الاتهامات بأن عائلته ستصبح مثل القذافيين. وقال لي عام 2024: “نحن عائلة مختلفة، وتجربتنا لا تمثل الآخرين بالضرورة.”
وكان الوحيد الذي رافق حفتر عندما دخل المستشفى العسكري في باريس للعلاج إثر أزمة صحية تعرّض لها خلال زيارة إلى القاهرة قبل سنوات.
واشنطن وديكتاتورية جديدة
المسار الذي تسلكه عائلة حفتر اليوم يتجاوز الطموح العسكري التقليدي؛ إنه محاولة لإضفاء الشرعية على نفوذ عائلي عبر مؤسسات موازية تضمن الاستدامة المالية والأمنية.
ومع تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير مسمى، لم يعد حفتر قادرًا على ادعاء عرش البلاد. لكنه أصبح الآن، بالضرورة، صانع ملوك جدد يحملون اسمه.
فهل ستكرر واشنطن خطأها الكلاسيكي بدعم “الرجل القوي” حفاظًا على استقرار مؤقت، لتستيقظ لاحقًا على ديكتاتورية عائلية أكثر تعقيدًا وفسادًا؟
إن الحديث عن “توحيد المؤسسات” قد يتحول إلى خصخصة شاملة للجيش والنفط لصالح عائلة واحدة — ببركة أمريكية.
***
خالد محمود رمضان ـ صحفي مصري وخريج جامعة القاهرة. متخصص في الشؤون العربية والسياسية، وتستشهد بتقاريره وكالات أنباء عالمية على نطاق واسع.
___________
