أسامة علي
في منتصف يوليو/ تموز الماضي، ارتفعت ساعات انقطاع الكهرباء في ليبيا بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة التي وصلت إلى 47 درجة مئوية.
خرج المئات من المواطنين في احتجاجات بالعاصمة طرابلس ومدن أخرى غربي البلاد للمطالبة بحل أزمة الكهرباء وتحسين الأوضاع المعيشية.
أقدم المحتجون على إغلاق مؤسسات حكومية، بينها مقر المؤسسة الوطنية للنفط وشركة الاتصالات وعدة مصارف، وقرروا الدخول في “عصيان مدني” حتى تحقيق المطالب.
لم تمر أسابيع حتى ظهر على سطح أزمات البلاد نبأ استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، التي قدمها إلى مجلسي النواب والدولة دون إعلان أسبابها، إلا أن مصادر ليبية متطابقة كشفت لـ”العربي الجديد” أن وراء الاستقالة أسباباً تتعلق بعجز عيسى عن إلزام الأطراف الليبية بالاتفاق الموقع بينها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، المعروف بالاتفاق التنموي الموحد، الذي يقضي بضبط الإنفاق العام في بند التنمية في الميزانية.
وأكدت مراسلة لاحقة وجهها مجلس الدولة إلى المحافظ طلبه الاستمرار في أداء مهامه والتركيز على ضبط الإنفاق العام ومنع أي تجاوزات.
وفي خضم ذلك، كانت أزمة أخرى تشتعل في مدينة الزاوية، المحاذية للعاصمة غرباً، إذ استهدفت جهات مجهولة خزانات مجمع مصفاة الزاوية للنفط ثلاث مرات بواسطة طائرات مسيَّرة، تسبب أحدها، يوم العاشر من أغسطس/ آب الجاري، في اشتعال أحد الخزانات وانهياره بالكامل بعد احتراق نحو 13 مليون ليتر من الوقود، إلى جانب أضرار مادية جسيمة بالبنية التحتية والمرافق المجاورة للمصفاة، واستغرقت عملية السيطرة على الحريق يومين.
تأخر موقف الحكومة حتى مساء اليوم التالي، عندما عقد رئيسها عبد الحميد الدبيبة اجتماعاً لتعزيز التنسيق بين الأجهزة والمؤسسات العسكرية والأمنية، مشدداً على ضرورة التعامل بحزم مع أي تعديات تمسّ الأمن أو المرافق الحيوية، بينما اصطف المواطنون أمام محطات الوقود في طوابير طويلة وسط أزمة وقود استمرت قرابة أسبوع.
وأعقبت أزمة خزانات النفط تصاعد كبير في مشكلة الكهرباء، إذ استهدف مجهولون محطة الحرشة لتوليد الكهرباء بمدينة الزاوية السبت الماضي، ودخلت البلاد منذ صباح الأحد في حالة إظلام تام متكرر.
ومساء الاثنين، تمكنت الحكومة من تغيير مجلس إدارة شركة الكهرباء، بإقالة المجلس السابق وتعيين آخر، فيما تعهد المجلس الجديد بإصلاح الشبكة وإعادة التيار سريعاً، لكن أغلب أحياء العاصمة ومناطق غربي البلاد ووسطها وجنوبيها، ظلت حتى أمس الثلاثاء تعاني انقطاعات طويلة وصلت إلى 20 ساعة.
ولم تخلُ ردود الفعل من اتهام مصادر لـ “العربي الجديد” أطراف الصراع في المشهد الليبي بتوظيف الأزمات أو الوقوف وراء بعضها.
وتتوقف المصادر عند التراجع المفاجئ للمجلس الاجتماعي لسوق الجمعة عن دعم احتجاجات الكهرباء في طرابلس، بعدما كان قد أعطاها زخماً قوياً، وشارك المتظاهرون في إغلاق مؤسسات الدولة، وذلك بالتزامن مع تسوية خلاف قائم منذ أكثر من عام بين الحكومة وجهاز قوة الردع، الذي يقع مقره الرئيسي في سوق الجمعة، ويُعَدّ المجلس ظهيراً اجتماعياً له.
وكان جهاز الردع، أحد أكبر الأجهزة الأمنية في العاصمة، قد نشر، نهاية يوليو المنصرم، وحداته في محيط سوق الجمعة عقب اتفاق مع الحكومة التي كانت قد أعلنت في وقت سابق حل الجهاز خلال ذروة خلافها معه العام الماضي.
وفي اليوم التالي، أعلن المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة فجأة وقف “العصيان المدني” وتعليق الاحتجاجات، مبرراً ذلك بأن استمرار العصيان أضر بخدمات المواطنين نتيجة إغلاق المؤسسات.
وبعد يومين من تصاعد أزمة خزانات النفط في الزاوية، تناقل نشطاء صوراً تظهر قادة في بعض الأجهزة الأمنية بطرابلس إلى جانب قادة التشكيلات المسلحة المسيطرة على مجمع مصفاة النفط في الزاوية وهم يتبادلون المصافحات، بالتزامن مع انتهاء أزمة الخزانات وتراجع الحكومة عن خطابها التصعيدي وصمتها عن الجهة المسؤولة عن إطلاق الطائرات المسيّرة، وربط النشطاء ذلك باحتمال التوصل إلى تفاهم على تقاسم فوائد موارد المصفاة.
ويلفت الناشط المدني يوسف حجاج إلى خلفيات أخرى تستدعي الانتباه، ومنها صمت رئاسة مجلس النواب حيال استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، بالتزامن مع استقالة نائبه مرعي البرعصي، ممثل “القيادة العامة” في شرق البلاد في مجلس إدارة المصرف.
ويعتبر حجاج، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن استقالة البرعصي قد تكون مقصودة من قبل مجلس النواب “لزيادة منسوب التوتر، خصوصاً إذا تذكرنا مراسلة تسربت عبر وسائل الإعلام قبل استقالة المحافظ بأسبوعين، وجهها عيسى العريبي (ممثل مجلس النواب في الاتفاق التنموي الموحد الموقع في نوفمبر 2025) وهدد فيها بالانسحاب من الاتفاق بعد اتهامه طرف الحكومة في طرابلس بعدم التزام بنود الاتفاق“.
ويضيف حجاج قائلاً: “لا يوجد ما يثبت مسؤولية أحد طرفي الاتفاق عن الإخلال بشروط تنفيذه، لكننا هنا نتحدث عن توظيف الأزمات كورقة للضغط من أجل الوصول إلى مكاسب أو زيادتها، ولا يبدو طرف مجلس النواب وقيادة حفتر بريئاً من ذلك“.
وعن خطوة الحكومة في تغيير مجلس إدارة شركة الكهرباء، بالتزامن مع تداول أنباء عن صراع على إدارتها ورفض رئيس مجلس الإدارة السابق قرار إقالته، يرجح حجاج صحة هذا الطرح، لافتاً إلى أن الصراع قد يرتبط بإدارة كميات ضخمة من الغاز والديزل المخصصة لتوليد الكهرباء.
ويستند في ذلك إلى تسريب إدارة الشركة السابقة مراسلة مؤرخة في مايو/ أيار الماضي حذرت فيها الحكومة من نقص إمدادات الغاز الطبيعي والوقود اللازم للتوليد، بما قد يتسبب في فقدان أكثر من 1000 ميغاوات من قدرات الإنتاج، وما أعقبها من اتهام الدبيبة، خلال أحد اجتماعات مجلس وزراء حكومته، إدارة الشركة بـ”الفشل” و”الفساد” ورفضها الخضوع لمراجعات الرقابة الإدارية لعقود الصيانة، ودعوته إلى إقالتها، لتزداد أزمة الكهرباء حدة بعدها.
ويرى حجاج أن “القاسم المشترك” بين هذه الأزمات هو “ظهور نمط جديد لدى أطراف الصراع في التعامل معها، يقوم على تحويلها إلى أدوات ضغط، سواء بصناعتها، كما يشتبه في أزمة خزانات النفط، أو باستثمارها عندما تقع بالفعل، كما في أزمتي الكهرباء والمصرف المركزي، ثم توجيه تداعياتها نحو الخصوم لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية“.
ويعتبر حجاج أن هذا النهج يعكس “تغيراً في طبيعة الصراع على النفوذ والموارد”، إذ صارت أدوات الضغط تتخطى التهديد بالسلاح أو بالقرارات السياسية والمؤسساتية، لتمتد “إلى أزمات المواطن المعيشية والخدمية والاقتصادية وتحويلها إلى أوراق ضغط تستخدمها أطراف متعددة لتحقيق مكاسبها“.
____________
